ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ

الزجاج- أو إلى محمد- كما قاله ابن جريج- أو إلى عيسى، أو إلى كل نبي من الأنبياء كما قيل بكل أي ولا يأمركم يا معشر قريش واليهود والنصارى بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا كما اتخذت الصابئة وقريش: الملائكة، واليهود: عزيرا والنصارى: المسيح أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ أي كيف أمركم ذلك البشر والله تعالى بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وهذا استفهام إنكاري وهو خطاب للمؤمنين على طريق التعجيب من حال غيرهم. ويقال: بعد إذ أمركم بالإسلام
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ أي أعطيناكم.
قرأ نافع «آتيناكم» بالنون على التفخيم ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ. وقرأ الجمهور «لما» بفتح اللام. وقرأ حمزة بكسر اللام. وقرأ سعيد ابن جبير «لما» مشددة. أما القراءة بالفتح ف «لما» وجهان «ما» هو اسم موصول مرفوع بالابتداء وخبره قوله:
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وإما هو متضمن لمعنى الشرط ف «اللام» في قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي المتلقية للقسم أما اللام في «لما» هي لام تحذف تارة وتذكر أخرى ولا يتفاوت المعنى وهذا اختيار سيبويه والمازني والزجاج. وقال أبو السعود واللام في «لما» موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، و «ما» تحتمل الشرطية. و «لتؤمنن» ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية، وأما القراءة بكسر اللام فلأنها للتعليل، وإما مصدرية أو موصول. وأما قراءة «لما» بالتشديد فإما هي بمعنى حين أو لمن أجل
ما، على أن أصله لمن ما، وأما معنى «وإذ أخذ الله» فقال ابن جرير الطبري: واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين.
وقال الزجاج: واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيين. والمقصود بهذه الآية أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء، وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
وقيل: إنما أخذ الله الميثاق من النبيين في أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم بأن يبين بعضهم لبعض صفة محمد وفضله، وهو قول علي وابن عباس وقتادة والسدي. وقال علي بن أبي طالب: ما بعث الله نبيا- آدم فمن بعده- إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم وأخذ هو العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. وقيل: إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق على أممهم بأنه إذا بعث محمد صلّى الله عليه وسلّم يؤمنون به وينصرونه- وهذا قول كثير من المفسرين- والمراد من قوله: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ هو محمد صلّى الله عليه وسلّم. والمراد بكونه مصدقا لما معهم هو أن كيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان

صفحة رقم 137

مذكورا في تلك الكتب كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم. قالَ الله تعالى لهم:
أَأَقْرَرْتُمْ بالإيمان به والنصرة له وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي قبلتم على ما قلت عهدي قالُوا أي النبيون: أَقْرَرْنا بذلك. قالَ الله تعالى: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضا من الشاهدين فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أي من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول بنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الخارجين عن الإيمان أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) والوجه في هذه الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلّى الله عليه وسلّم في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد، فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم الله أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين الله، ومعبودا سوى الله تعالى، ثم بيّن أن الإعراض عن حكم الله تعالى مما لا يليق بالعقلاء فقال: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي لجلال الله تعالى لا لغيره انقاد في طرفي وجوده وعدمه، لأن كل ما سوى الله ممكن لذاته وكل ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه سواء كان عقلا أو نفسا، أو روحا أو جسما أو جوهرا، أو عرضا، أو فاعلا أو فعلا. ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرعد: ١٥] فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعا فيما يتعلق بالدين وينقادون له كرها فيما يخالف طباعهم من الفقر والمرض والموت وما أشبه ذلك. أما الكافرون فهم منقادون لله تعالى كرها على كل حال لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ويخضعون له تعالى في غير ذلك كرها لأنه لا يمكنهم دفع قضائه تعالى وقدره. وأيضا كل الخلق منقادون لإلهيته تعالى طوعا بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] ومنقادون لتكاليفه تعالى وإيجاده للآلام كرها، ثم الهمزة للاستفهام التوبيخي وموضعها لفظة يبغون، والتقدير: أيبغون غير دين الله لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال الحوادث. وقرأ حفص عن عاصم «يبغون» و «يرجعون» بالياء على الغيبة فيهما. أي إنما ذكر الله تعالى حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم فلما أصروا على كفرهم قال تعالى على جهة الاستنكار: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ. وقرأ أبو عمرو «تبغون» بالتاء خطابا لليهود وغيرهم من الكفار، و «يرجعون» بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب فيهما لأن ما قبلهما خطاب كقوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ وأيضا فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر: أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له تعالى من في السموات والأرض وأن مرجعكم إليه. وهو كقوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ

صفحة رقم 138

تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
[آل عمران: ١٠١] ولما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين الله تعالى من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم كونه مصدقا لما معهم فقال: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وهو القرآن وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ من الصحف. والمراد بالأسباط أحفاد يعقوب وأبناؤه الاثنا عشر وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيديهما وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ من الكتب والمعجزات لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي نقرّ بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله ولا نكفر بأحد منهم كما فعل اليهود والنصارى وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة لا لسمعة ورياء وطلب مال وتلك صفة المؤمنين بالله والكافرون يوصفون بالمحاربة لله، ولما قال تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ بين أن الدين ليس إلا الإسلام فقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) بحرمان الثواب وحصول العقاب ولحوق التأسف على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح، وعلى ما تحمله من التعب في الدنيا في تقرير الدين الباطل. ولفظ «دينا» إما مفعول و «غير الإسلام» حال منه مقدم عليه أو تمييز أو بدل من غير كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا أي كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر بَعْدَ إِيمانِهِمْ بالقلب وَشَهِدُوا أي والحال هم قد أقروا باللسان أَنَّ الرَّسُولَ محمدا صلّى الله عليه وسلّم حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي الحجج الظاهرة على صدق النبي وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أي الكافرين الأصليين والمرتدين.
وهذه الآية نزلت في شأن الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، وهم اثنا عشر رجلا، منهم أبو عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت، ووضوح بن الأسلت، وطعيمة بن بيرق. كما أخرجه عكرمة وابن عساكر. أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) فإن لعنة الله هي الإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة، واللعنة من الملائكة والناس هي بالقول وكل ذلك مستحق لهم بسبب كفرهم، فصلح أن يكون جزاء لذلك وجميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد في ذلك أنه ليس بمبطل ولا بكافر فإذا لعن الكافر وهو في علم الله كافر فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك. خالِدِينَ فِيها أي اللعنة فلا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم من أن يلعنهم لا عن من هؤلاء لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) أي لا يؤخر عذابهم من وقت إلى وقت إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الارتداد وَأَصْلَحُوا باطنهم وظاهرهم بالعمل الصالح فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لقبائحهم في الدنيا بالستر رَحِيمٌ (٨٩) في الآخرة بالعفو. نزلت هذه الآية في شأن الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار فإنه لما لحق مكة مرتدا ندم على ردته فأرسل إلى قومه بالمدينة أن يسألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هل

صفحة رقم 139

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية