(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما) بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وبكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي للذي (آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) وجواب القسم لتؤمنن به ولتنصرنه.
قد اختلف في تفسير هذه الآية فقال سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والحسن والسدى أنه أخذ الله ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضاً بذلك، فهذا معنى النصرة له والإيمان به وهو ظاهر الآية.
فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر
وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد - ﷺ -.
وقال الكسائي يجوز أن يكون معناها وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين، ويؤيده قراءة ابن مسعود (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) وقيل في الكلام حذف والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليعلّمنّ الناس ما جاءهم من كتاب وحكمة وليأخذنّ على الناس أن يؤمنوا، ودل على هذا الحذف قوله (وأخذتم على ذلكم إصري) قيل إنما أخذ الميثاق في أمر محمد - ﷺ - خاصة وبه قال علي وابن عباس وقتادة والسدى.
وقيل أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم جميعاً في أمره - ﷺ -، فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد مع الأتباع، وبه قال علي بن أبي طالب والأول أولى وبه قال كثير من المفسرين، والرسول محمد- ﷺ - الذي ذكر في التوراة والإنجيل وصفه وشرح فيهما أحواله.
قال البغوي: أخذ الله هذا الميثاق منهم حين استخرج الذرية من صلب آدم، وقال الرازي: هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لله واجب والأول أولى وهو الظاهر من الآية.
(قال) الله تعالى للنبيين (أأقررتم) بالإيمان به والنصر له أو قال كل نبي لأمته أأقررتم، والأول أولى (وأخذتم على ذلك إصري) أي عهدي، والإصر في اللغة الثقل، سمي العهد إصراً لما فيه من التشديد (قالوا أقررنا) بما ألزمتنا من الإيمان برسلك.
(قال) الله تعالى (فاشهدوا) أي أنتم على أنفسكم أو ليشهد بعضكم على بعض، وقيل الخطاب للملائكة، والأول أولى (وأنا معكم) أي على إقراركم وشهادة بعضكم على بعض (من الشاهدين) هذا هو الخبر لأنه محط الفائدة.
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)
صفحة رقم 276فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري