ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

المعنى الجملي : بعد أن أورد سبحانه الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما جاء في التوراة و الإنجيل من البشارة بمقدمة ثم ذكر شبهات القوم وكر عليها بالحجة و نقضها بما ليس بعده زيادة لمستزيد - أردف ذلك خطابهم بالكلام اللين وبدأه بعنوان كونهم أهل الكتاب مما يوجب الإيمان به وبما يصدقه مبالغة في تقبيح حالهم في تكذيبهم له إذ هم قد فعلوا ذلك على علم.
أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : مر شاش بن قيس وكان عظيم الكفر شديد الطعن والحرد على المسلمين _ على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأوس و الخزرج في مجلس لهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعهم و ألفتهم و صلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذين كان منهم من العداوة في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة ( الأوس والخزرج ) بهذه البلاد، والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من فرار فأمر فتى شابا من اليهود _وكان معه _ فقال اعمد إليهم فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ففعل ( و كان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس و الخزرج، و كان الظفر للأوس على الخزرج ) فقيل فتكلم القوم عند ذلك، تنازوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحي على الركب ( أوس بن قيضي أحد بني حارث بن الحارث من الأوس وجبار بن صخر أحد بني سلمه من الخزرج ) فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم و الله رددنا جدعة
( شابة فتية يعلنون الحرب ) و غضب الفريقان و قالوا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ( هي الحرة و هي أرض مستوية بظاهر المدينة ) فخرجوا إليها و تجاوب الناس فانضمت الأوس بعضها إلى بعض و الخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به و قطع به عنكم أمر الجاهلية و أستنقذكم به من الكفر و ألف بين قلوبكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا و عانق الرجال من الأوس و الخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع.
وأنزل الله فيه يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ( آل عمران : ٧٠ ) إلى آخر الآيتين السابقتين، وأنزل عز وجل في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما يأيها الذين أمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب - إلى قوله- لعلكم تهتدون ( آل عمران : ١٠٠-١٠٣ )
وتصدون من صددته أصده صدا : أي صرفته، والسبيل : الطريق يذكر و يؤنث وتبغونها من بغاه يبغيه : أي طلبه و العوج ( بكسر العين ) الميل عن الاستواء في الأمور المعنوية كالدين و القول ( وبفتحها ) في المحسوسات كالحائط و القناة و الشجرة و المراد به هنا الزيغ و التحريف.
قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء أي لأي سبب تصرفون من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعه عن الإيمان الذي يرقى عقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون، و يرقى روحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة، و الأعمال الصالحة، و تكذبون بذلك كفرا و عنادا، و كبرا وحسدا وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيا وكيدا للنبي صلى الله عليه وسلم، تبغون لأهل دين الله ولمن هو على سبيل الحق عوجا وضلالا، وزيغا عن الاستقامة على الهدي و المحجة، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن كان كذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل و الضلال و الإضلال.
وما الله بغافل عما تعملون من هذا الصد وغيره من الأعمال، فمجازيكم عليه، وغير خاف ما في هذا من تهديد ووعيد، كما يقول الرجل لعبده قد أنكر عليه اعوجاج أخلاقه : لا يخفى علي ما أنت عليه، وما أنا بغافل عن أمرك.
وإنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة، لأن صدهم عن الإسلام كان بضرب من المكر و الكيد ووجوه الحيل، وختم الآية السابقة بقوله و الله شهيد ؛ لأن العمل الذي فيها وهو الكفر ظاهر مشهود.
وكرر الخطاب بيا أهل الكتاب، لأن المقصد التوبيخ على ألطف الوجوه، هذا أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريق الضلال والإضلال، وأدل على النصح لهم، و الإشفاق عليهم.
و الآية الأولى لكفهم عن الضلال، و الثانية لكفهم عن الإضلال.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير