ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

وقوله تعالى: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قال ابن عباس (١): يريد: حاضرٌ لأعمالكم.
ومعنى الآية يؤول إلى أن (٢) الله وبخهم على الكفر (٣)، وأخبر أنَّه لا ينفع [الاستسرارُ به] (٤)؛ لأن الله شهيدٌ عليه، مع أن شهادته توجب ردعهم عن الكفر.
٩٩ - قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
قال الفرّاء (٥): [يقال] (٦): (صَدَدْتُهُ، أصده صَدًّا)، و (أَصْدَدْتُه، إصْدادًا) (٧)، وأنشد:

أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيف عنهمُ صُدُودَ السَّواقِي عن أُنُوفَ الحَوائِمِ (٨)
(١) لم أقف على مصدر قوله.
(٢) أن: ساقطة من: (ج).
(٣) في (ج): الكافرين.
(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (الأخرابية). والمثبت من: (ج).
(٥) لم أقف على مصدر قوله.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٧) قال الجوهري: (صدَّ عنه، يَصِدُّ، صُدُودًا): أعرض و (صده عن الأمر صدًّا): منعه وصرف عنه. و (أصَدَّهُ)، لُغة). "الصحاح" ٢/ ٤٩٥ (صدد)، وانظر: "اللسان" ٤/ ٢٤٠٩ (صدد)، "البحر المحيط" ٣/ ١٤.
وقال الزمخشري عن قوله تعالى: وَلَا يَصُدُّنَّكَ القصص: ٨٧: (وقرئ (يُصِدُّنَّك) من: أصَدَّه بمعنى: صَدَّه، وهي لُغة كلب). "الكشاف" ٣/ ١٩٤.
(٨) البيت لذي الرُمَّة، وهو في ديوانه: ٧٧١. وورد في "الصحاح" ٢/ ٤٩٥ (صدد)، "الكشاف" ٢/ ٣٦٦، ٣/ ١٩٤، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" ١/ ٦٠٨، "اللسان" ٤/ ٢٤١٠ (صدد)، "البحر المحيط" ٣/ ١٤. وروايته في "الديوان": =

صفحة رقم 455

وقرأ الحَسَنُ: (تُصِدُّون) بضم التاء، مِن: أَصَدَّ (١).
قال المفسرون (٢): وكان صدهم عن سبيل اللهِ بالتكذيب بالنبي - ﷺ -، وأنَّ صفَتَهُ ليست في كتابهم، ولا البِشَارَة به متقدِّمَةٌ عندهم.
وقوله تعالى: تَبْغُونَهَا عِوَجًا قال اللِّحْيانِي (٣): (بَغَى الرجلُ في كل

= أناس أصدوا الناس بالضرب عنهم صدودَ السواقي عن رؤوس المخارِم
ويروى: (السوافي) -بالفاء- وهي الرياح التي تسفي، التراب.
و (الحوائم)، جمع: (حائم). من: (حام حول الشيء، يَحُوم حَوْما وَحَوَمانا): دار. وكلُّ مَن رام أمرًا فقد (حام عليه حَوْمًا، وحِياما، وحُؤُوما، وحَوَمانا). وكلُّ عطشان: (حائم). و (إبِلٌ حوائم وحُوَّمٌ): عطاش جدا، وهي: التي تحوم حول الماء من شدَّة العطش. انظر: (حوم) في "اللسان" ٢/ ١٠٦١، "القاموس" (١٠٩٨).
وقيل: الحوائم: الإبل الغرائب، انظر: "شرح شواهد الكشاف" لمحب الدين أفندي ٤/ ٥٢٨. وعليه يكون معنى البيت: أنهم صدوا أعداءهم كما يصد السقاةُ الإبلَ الغرائبَ عن إبِلهم.
أما على رواية "الديوان"، فقد قال في "اللسان" ٤/ ٢٤١٠ (صدد): (قال ابن برِّي، وصواب إنشاده: (صدود السواقي عن رؤوس المخارم).
و (السواقي): مجاري الماء. و (المَخرِم)، منقطع أنف الجبل. يقول: صدُّوا الناسَ عنهم بالسيف، كما صُدَّت هذه الأنهار عن المخارم، فلم تستطع أن ترتفع إليها). قال الزمخشري -مبينًا الشاهد في البيت-: (والهمزة فيه داخلة على (صد صدودًا)؛ لتنقله من غير التعدِّي إلى التعدِّي). "الكشاف" ٢/ ٣٦٦.
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ٨٣ ب، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٥٤، "البحر المحيط" ٣/ ١٤، "فتح القدير" ١/ ٥٥٣.
(٢) منهم: السدي، وقتادة، والربيع. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢، "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧١٧، "فتح القدير" ١/ ٥٥٥.
(٣) قوله في "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٧. وفيه (وبِغْيةً، وبِغًى مصدر). وقد نقله المؤلف عنه بتصرف.

صفحة رقم 456

ما يطلبه من خير وشر، يَبْغِي، بُغاءً وبِغْيَة) (١).
وقال الفرّاء (٢): العرب تقول: (ابغني كذا)؛ يريدون: ابتغه لي. فإذا أرادوا: ابْتَغ معي، وأَعِنِّي على طلبه، قالوا: (أَبْغِنِي)، ففتحوا الألف، وكذلك يقولون: (أُحْلُبْنِي وأَحْلِبني) (٣)، و (احْمِلْنِي وأَحْمِلْنِي)، و (اعْكُمْنِي وأَعْكِمْنِي) (٤)، على هذا القياس.
و (العِوَجُ) (٥) بكسر العين، في الأَمْرِ، وفي الدين والقول: المَيْلُ عن الاستواء في الطريق، وفي كلِّ ما لا يُرى. وكلُّ قائمٍ مُنْتصِبٍ يُرَى عَوَجُهُ، يقال: (فيه عَوَج)، بالفتح؛ كالحائط، والقَنَاة (٦)، والشجرة.
يقال: (عَوِجَ الشيءُ، يَعوَجُ، عَوَجًا)، فهو (أَعْوَجُ) لكل ما يُرى،

(١) ويقال: (بِغْيَة، وبُغْيَة، وبَغَى، وبُغايَة). انظر: "اللسان" ١/ ٣٢١ - ٣٢٢ (بغا).
(٢) في "معاني القرآن" له: ١/ ٢٢٧. نقله عنه بتصرف واختصار.
(٣) فسَّرها الفراء في سوقه لهذا القول فقال: (فقوله: احلبني؛ يريد: احلب لي، أي: اكفني الحَلَب. وأحلِبني: أعني عليه. وأتبعها قائلا: (وبقيته مثل هذا). أي: بقية الكلمات التي ذكرها. "معاني القرآن" ١/ ٢٢٨. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٤٧.
(٤) في (ب)، (ج): (واعلمني، وأعلمني). وقوله: اعكُمني -بضم الكاف-، ويجوز بسكرها. يقال: (عَكَم المتاعَ، يعْكِمُه عَكْمًا): وهو أن يبسط ثوبًا ويجعل فيه المتاعَ، ويشدَّه، ويسمى بعدها: (العِكْمُ)، والجمع: (أعكام) و (عُكوم). انظر: (عكم) في "المجمل" ٦٢٣، "اللسان" ٥/ ٣٠٦٠ - ٣٠٦١.
(٥) من قوله: (العوج..) إلى (فهو أعوج لكل ما يرى): نقله بتصرف واختصار من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٦٤ - ٢٢٦٥.
(٦) القناة -هنا-: الرمح، وكل عصا مستوية، وقيل: ولو مُعْوَجَّة. انظر: "القاموس" ١٧١٠ (قنى).

صفحة رقم 457

[و (عِوَجًا)] (١) لما لا يرى.
وأما المعنى، فقال ابن الأنباري (٢): قوله تعالى: تَبْغُونَهَا عِوَجًا، (البَغْيُ): يُقتَصَرُ (٣) له على مفعول واحد، إذا لم يكن معه اللَّام، كقولك: (بَغَيْتُ المالَ والأجرَ والثوابَ). [وأريد ههنا] (٤): تَبغون لها عِوَجًا. فلما سقطت اللّامُ، عمل الفعلُ فيما بعدها، كما قالوا: (وَهَبْتُك (٥) درهمًا)، وأصله: وهبت (٦) لك درهما، ومثله: (صدْتُكَ ظَبْيًا)، يعنون: صدْتُ لك. وكذلك: (جئْتُكَ)، كما قد (٧) (وَرَّثْتُكَ من المال جملة)، وأنشد:

فَتَولَّى غلامُهم ثُمّ نادَى (٨) [أَظَلِيمًا أَصِيدُكُم] (٩) أم حِمَارا (١٠)
(١) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): وهوجًا. والمثبت من: (ج). وهذه الكلمة ليست في "تهذيب اللغة" وإنما فيه: (والأنثى: عوجاء).
وقيل: إن الكسر يقال في الأمرين: الأجسام المرئية وغير المرئية، كالرأي والقول. انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٩٨، "النهاية" لابن الأثير: ٣/ ٣١٥. "اللسان" ٥/ ٣١٥٤ - ٣١٥٥ (عوج).
ولكن الراغب ذكر أن (العِوَج) -بالكسر- (يقال: فيما يدرك بالفكر والبصيرة كما يكون في أرضٍ بسيطٍ يُعرف تفاوتُه بالبصيرة، والدين والمعاش). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" ٥٩٢ (عوج).
(٢) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده -كذلك- الفخر الرازي في "تفسيره" ٨/ ١٧٢.
(٣) في (ب): (يقتدر).
(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (وارى أصله). والمثبت من (ج)، و"تفسير الفخر الرازي".
(٥) في (ب): (أوهبتك).
(٦) في (ب): (أوهبتك.)
(٧) (قد): ساقطة من: (ج).
(٨) في (ب): (الذي).
(٩) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (أظبيا صيدكم). والمثبت من (ج).
(١٠) لم أقف على قائله. وقد ورد في "زاد المسير" ١/ ٤٣٠، "تفسير الفخر الرازي" ٨/ ١٧٢، "مغني اللبيب" ٢٩١، "شرح شواهد المغني" ٥٩٦، "الدر المصون" للسمين الحلبي: ٣/ ٤٢٦. (الظَّليم): ذَكَرُ النَّعَام.

صفحة رقم 458

أراد: أصيد لكم.
والهاء في قوله: تَبْغُونَهَا عائدةٌ على السبيل؛ لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ (١). و (العِوَجُ)، يعنى به: الزَيْغ والتحريف (٢)؛ أي: تَلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي تُلَبِّسون بها، وتُوهِمون أنها تقدح فيها، وأنها مُعوَجَّة بتناقضها (٣).
ويجوز أن يكون عِوَجًا في موضع الحال؛ والمعنى: تبغونها ضالِّين؛ وذلك (٤) أنهم كانوا يَدَّعون أنهم على دين اللهِ وسبيلِه، فقال الله: إنكم تبغون سبيلَ اللهِ ضالِّين عنها. وهذا قول أبي إسحاق (٥)، ذكر ذلك في سورة إبراهيم، عند قوله: وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٦). وعلى هذا القول، لا يحتاج إلى إضمار اللّام في تَبْغُونَهَا.

(١) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٣١٩، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢، "الزاهر" لابن الأنباري: ٢/ ١٠٨، "المذكر والمؤنث" له: ١/ ٣٩٤.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢.
(٣) فإعراب عِوَجًا على هذا القول: مفعول به. انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٧، "تفسير الطبري" ٤/ ٢٢.
(٤) في (ب): (والمعنى).
(٥) في "معاني القرآن" له: ٣/ ١٥٤.
(٦) [سورة إبراهيم: ٣]. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ. وفي حالة إعرابها حالًا يكون معنى (تبغون): تتَعدَّوْن. و (البغي): التعدي. انظر: "الدر المصون" ٣/ ٣٢٦، "اللسان" ١/ ٣٢٣.

صفحة رقم 459

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية