نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:الربع الأول من الحزب السابع
في المصحف الكريم
في هذا الربع من سورة آل عمران تتناول الآيات الكريمة موضوع الإنفاق والبر لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وموضوع الحلال والحرام من الأطعمة بالنسبة لبني إسرائيل كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ وموضوع ملة إبراهيم ومقام إبراهيم قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا - مَّقّامُ إِبرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وموقف أهل الكتاب
من الإسلام وأتباعه، رغما عن كونه هو نفس الحنيفية السمحة التي جاء بها إبراهيم، ثم تتناول آيات هذا الربع وجوب الاعتصام بالإسلام
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا - وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسلِمُونَ( ١٠٢ ) . كما تتناول وصف الأمة التي تدعو إلى الخير، والتي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ١٠٤ ) . وتتناول أيضا ذم التفرق والاختلاف ولاَ تَفَرَّقُوا واذكُرُوا نعمَة اللهِ عَلَيكُم إذ كُنتُمُ أَعدَاءً فَألَّف بَينَ قُلُوبِكُم فَأصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَاناً - وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ، كما تنبه الآيات الكريمة إلى ما ينال المسلمين من أذى أهل الكتاب لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وإلى ما يناله المسلمون من نصر عليهم وغلبة لهم في النهاية وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ( ١١١ ) .
ولنأخذ الآن في إلقاء نظرة فاحصة على جملة من الآيات البينات في هذا الربع :
يقول الله تعالى : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( ٩٩ ) فهاهنا تنطق الآية الكريمة بما يضعه خصوم الإسلام في طريق انتشاره من العراقيل، وما يبثون ضده من الدعايات الباطلة، إذ يضربون من حوله سورا حديديا لا يستطيع أن يتخطاه المعجبون به والراغبون فيه، بل إن هذه الآية لتنطق بما هو أنكى وأشد، ألا وهو محاولة خصوم الإسلام أن يصدوا عنه ويخرجوا من حظيرته نفس المؤمنين الذين سبق لهم الإيمان به، فهم لا يحولون بين الإسلام وبين من لم يسلم بالمرة، بل إنهم يطمعون في إخراج المسلمين أنفسهم من دائرة الإسلام، ويحاولون ذلك عمليا، لا تمنيا، هذا وهم يعرفون أن الإسلام دين الحق والصدق، ولكنهم قوم بهت جبلوا على التضليل والتزييف والتعصب، وهم لا يفترون عن محاولاتهم المسمومة في الأوساط الإسلامية منذ اليوم الأول، ولعل ذلك هو السر في التعقيب بقوله تعالى مخاطبا لخصوم الإسلام : وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ( ٩٩ ) .
على أن هذا التعقيب فيه إيماء وإشارة إلى ما يلزم المسلمين من اليقظة والحذر، وعدم الغفلة عن دسائس خصوم الإسلام ومؤامراتهم ومحاولاتهم المضللة، وأساليبهم الملتوية، التي يرمون من ورائها إلى قتل الروح الإسلامية في نفوس المسلمين، وإلى تجريد حياتهم من كل المعاني والقيم الإسلامية، وإلى جعل المسلمين أشباحا بدون أرواح، وإلى إفراغ الإسلام من محتواه الإعتقادي، ومحتواه الشرعي، ومحتواه الأخلاقي، ومحتواه الاجتماعي، حتى يصبح دين الإسلام مجرد شبح من الأشباح ووهم من الأوهام.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري