ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

ثم يقول الحق سبحانه :
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون١٩
أولا : ما مناسبة الحديث عن البعث، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي بعد الحديث عن تسبيح الله وتحميده ؟ قالوا : لأنه تلكم عن المساء والصباح، وفيهما شبه بالحياة والموت، ففي المساء يحل الظلام، ويسكن الخلق وينامون، فهو وقت للهدوء والاستقرار، والنوم الذي هو صورة من صور الموت ؛ لذلك نسميه الموت الأصغر، وفي الصباح وقت الحركة والعمل والسعي على المعاش، ففيه إذن حياة، كما يقول سبحانه : وجعلنا الليل لباسا١٠ وجعلنا النهار معاشا١١ ( النبأ )
ويمثل الموت والبعث بالنوم والاستيقاظ منه، كما جاء في بعض المواعظ :" لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ".
وما دمنا قد شاهدنا الحالين، وعاينا النوم واليقظة، فلنأخذ منهما دليلا على البعث بعد الموت، وإن أخبرنا القرآن بذلك، فعلينا أن نصدق، وأن نأخذ من المشاهد دليلا على الغيب، وهذا ما جاءت به الآية :
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.... ١٩ ( الروم )
وقوله تعالى هنا( الحي الميت ) أي : في نظرنا نحن وعلى حد علمنا وفهمنا للأمور، وإلا فكل شيء من الوجود له حياة تناسبه، ولا يوجد موت حقيقي إلا في الآخرة التي قال الله فيها : كل شيء هالك إلا وجهه... ٨٨ ( القصص )
فضد الحياة الهلاك بدليل قوله تعالى : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة... ٤٢ ( الأنفال )
وما دام كل شيء هالكا إلا وجهه تعالى، فكل شيء بالتالي حي، لكنه حي بحياة تناسبه. وأذكر أنهم كانوا يعلموننا كيفية عمل المغناطيس وانتقال المغناطيسية من قطعة ممغنطة إلى قطعة أخرى بالدّلك في اتجاه واحد، وفعلا شاهدنا أن قطعة الحديد تكتسب المغناطيسية.
وتستطيع أن تجذب إليها قطعة أخرى، أليس هذا مظهرا من مظاهر الحياة ؟ أليست هذه حركة في الجماد الذي نراه نحن جمادا لا حياة فيه، وهو يؤثر ويتأثر بغيره، وفيه ذرات تتحرك بنظام ثابت ولها قانون.
إذن : نقول لكل شيء موجود حياته الخاصة به، وإن كنا لا ندركها ؛ لأننا نفهم أن الحياة في الأحياء فحسب، إنما هي في كل شيء وكونك لا تفقه حياة هذه الأشياء، فهذه مسألة أخرى.
لذلك سيدنا سليمان –عليه السلام- لما سمع كلام النملة، وكيف أنها تفهم وتقف ديدبانا لقبيلتها، وتفهم حركة الجيش وعاقبة الوقوف في طريقه، فتحذر جماعتها ادخلوا مساكنكم، وكيف كانت واعية، وعادلة في قولها.
لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون١٨ ( النمل ) فهي تعلم أن الجيش لو حطم النمل، فهذا عن غير مقصد منهم، وعندها أحس سيلمان بنعمة الله عليه بأن يعلم ما لا يعلمه غيره من الناس، فقال رب أوزعني١ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي... ١٩ ( النمل )
فمعنى يخرج الحي من الميت... ١٩ ( الروم ) أي : في عرفنا نحن، وعلى قدر فهمنا للحياة وللموت، والبعض يقول : يعني يخرج البيضة من الدجاجة، ويخرج الدجاجة من البيضة، وهذا الكلام لا يستقيم مع منطق العقل، وهل كل بيضة بالضرورة تخرج دجاجة ؟ لا بل لا بد أن تكون بيضة مخصبة. إذن : لا تقل البيضة والدجاجة، ولكن قل يخرج الحي من الميت من كل شيء موجود.
ثم يقول الحق سبحانه ويخرج الميت من الحي... ١٩ ( الروم ) وفي موضع آخر يقول تعالى : يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي.... ٩٥ ( الأنعام ) فأتى باسم الفاعل ( مخرج ) بدلا من الفعل المضارع.
لذلك وقف عندها المشككون في أسلوب القرآن، يقولون : إن كانت إحداهما بليغة، فالأخرى غير بليغة، وهذا منهج نتيجة طبيعية لعدم فهمه للغة القرآن، وليست لديهم الملكة العربية التي تستقبل كلام الله.
وهنا نقول : إن الذي يتكلم رب يعطي لكل لفظة وزنها، ويضع كل كلمة في موضعها الذي لا تؤديه كلمة أخرى.
فقوله تعالى يخرج الحي من الميت.... ١٩ ( الروم ) هذه في مصلحة من ؟ في مصلحتنا نحن ؛ لأن الإنسان بطبعه يحب الحياة، وربما استعلى بها، واغتر بهذا الاستعلاء، كما قال ربنا : كلا إن الإنسان ليطغى٦ أن رآه استغنى٧ ( العلق )
لذلك يذكره ربه تعالى بالمقابل : فأنا كما أخرج الحي من الميت أخرج الميت من الحي فانتبه، وإياك أن تتعالى أو تتكبر، وافهم أن الحياة موهوبة لك من ربك يمكن أن يسلبها منك في أي لحظة.
وعبر عن هذا المعنى مرة بالفعل المضارع ( يخرج ) الدال على الاستمرار والتجدد، ومرة باسم الفاعل ( مخرج ) الدال على ثبوت الصفة وملازمتها للموصوف، لا مجرد حدث عارض.
لذلك تأمل قول الله تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير١ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا... ٢ ( الملك )وفي نظرنا أن الحياة تسبق الموت، لكن الحق سبحانه يريد أن يقتل في الإنسان صفة الاغترار بالحياة، فجعله يستقبل الحياة بما يناقضها، فقال الذي خلق الموت والحياة... ٢ ( الملك ) فقدم الموت على الحياة، فقبل أن تفكر في الحياة تذكر الموت حتى لا تغتر بها ولا تطغى.
ويتجلى هذا المعنى أيضا في سورة الواقعة : أفرأيتم ما تمنون ٥٨ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ٥٩ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ٦٠ ( الواقعة )
يعني : خذوا بالكم، وافهموا أنني واهب الحياة، وأستطيع أن أسلبها فلا تغتر بها ولا ( تتفرعن )، وكأن الحق سبحانه يريد أن يدك في الإنسان صفة الكبرياء والتعالي، فيحدث هذه المقابلة دائما بين ذكر الموت وذكر الحياة في آيات القرآن
ثم ألا ترى أن الخالق سبحانه لم يجعل للموت سببا من أسباب العمر والسنين، فواحد يموت قبل أن يولد، وواحد يموت بعد يوم أو بعد شهر، وآخر يموت بعد عدة أعوام، وآخر بعد مائة عام.
إذن : مسألة لا ضابط لها إلا أقدار الله وأجله الذي أجله سبحانه، وفي هذه إشارة للإنسان : احذر فقد تسلب منك الحياة التي ينشأ منها غرورك في أي لحظة، ودون أن تدري ودون سابق إنذار أو مقدمات، فاستقم إذن على منهج ربك، ولا تجترئ على المعصية ؛ لأنك قد تموت قبل أن تتدارك نفسك بالتوبة.
لذلك يقولون : إن الحق سبحانه حين أبهم وقت الموت بينه بالإبهام غاية البيان، كيف ؟ قالوا : لأنه سبحانه لو حدد لك موعد الموت لكنت تستعد له قبل أوانه، إنما حين أبهمه جعلك تستعد له كل لحظة من لحظات حياتك.
ثم يقول سبحانه : ويحيي الأرض بعد موتها... ١٩ ( الروم ) وفي موضع آخر : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ٥ ( الحج )
فالأرض كانت ميتة هامدة جامدة جرداء، لا أثر فيها لحياة، فلما نزل عليها الماء وسقاها المطر تحركت وأنبتت من كل زوج بهيج، فهي نموذج حي مشاهد للخلق وللحياة.
وفي آية أخرى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة... ٦٣ ( الحج ) فهل اخضرت الأرض ساعة نزل عليها المطر ؟ لا، إنما بعد فترة، كأنه سبحانه يقول لك : لاحظ الحدث ساعة يوجد، واستحضر صورته، فبعد نزول الماء ترى الأرض تخضر تدريجيا، وإن لم تبذر فيها شيئا، ففيها بذور شتى حملتها الرياح، ثم استقرت في التربة ولو لسنوات طوال تظل صالحة للإنبات تنتظر الماء لتؤدي مهمتها.
والذي عاش في الصحراء يشاهد هذه الظاهرة، وقد رأيناها في عرفة بعد أن نزل عليها المطر، وعدنا بعد عدة أيام، فإذا الأرض تكتسي باللون الأخضر. لذلك إياك أن تظن أن كل زرع زرعه الإنسان، وإلا فمن أين جاءت أول بذرة زرعها الإنسان. إذن : هناك زراعات لا دخل للإنسان بها.
ولنقرأ قصة مريم عليها السلام : يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ٤٢ ( آل عمران ) فالاصطفاء الأول لم يقل على من. فالمعنى : اصطفاك على الخلق جميعا، بأن طهرك وجعلك صالحة تقية قوامة... الخ.
أما الاصطفاء الآخر فليس على الخلق جميعا، إنما على النساء ؛ لأنها تفردت عن نساء العالمين بأن تلد بغير ذكورة.
والشاهد الذي نريده هنا أن يوسف النجار لما لاحظ على مريم علامات الحمل وهو يعلم من هي مريم، وأنها لم تفارق المحراب طوال عمرها، فلم يرد على ذهنه المعنى الثاني، ويريد أن يستفهم عما يراه، فسألها بأدب : يا مريم، أتوجد شجرة بدون بذرة ؟ فقالت وقد لقنها الحق سبحانه : نعم، الشجرة التي أنبتت أول بذرة.
إذن : الحق سبحانه يمتن علينا بالشيء، ثم يذكرنا بقدرته تعالى على سلبه، وعلى نقيضه حتى لا نغتر به، ليس في مسألة الموت والحياة فحسب، إنما في الزرع وفي الماء وفي النار، واقرأ قوله تعالى :
أفرأيتم ما تمنون ٥٨ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ٥٩ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين٦٠ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ٦١ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون٦٢ أفرأيتم ما تحرثون٦٣أأنتم تزرعون أم نحن الزارعون ٦٤ لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون٦٥ إنا لمغرمون٦٦ بل نحن محرومون٦٧ أفرأيتم الماء الذي تشربون٦٨ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ٦٩ لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون٧٠ أفرأيتم النار التي تورون ٧١ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشون ٧٢ ( الواقعة )
ونلحظ في الأداء القرآني في هذه الآيات الدقة في استخدام لام التوكيد في لجعلناه حطاما... ٦٥ ( الواقعة ) في الحديث عن الزرع ؛ لأن للإنسان دورا فيه، حيث يحرث ويغرس ويسقى، وربما ظن لنفسه قدرة عليه.
لكن لما تحدث عن الماء ذكر في نقضه لو نشاء جعلناه أجاجا... ٧٠ ( الواقعة ) بدون توكيد، لماذا ؟ لأن الماء لا دخل لأحد فيه، ولا يدعيه أحد، فلا أنت بخرت الماء، ولا أنت أنزلت المطر، لذلك قال جعلناه... ٧٠ ( الواقعة ) بدون توكيد.
أما عند ذكر النار كنعمة من نعم الله لم يذكر ما ينقضها، فقال : أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون٧٢ ( الواقعة ) ولم يقل مثلا : لو نشاء لأطفأناها، ترى لماذا ؟ قالوا : لتظل النار ماثلة أمامنا على حال اشتعالها لا تخمد أبدا، وكأن الحق-سبحانه وتعالى- يلوح بها لكل عاص عله يعود إلى الجادة.
ثم يقول سبحانه : وكذلك تخرجون١٩ ( الروم ) كذلك : إشارة إلى ما سبق ذكره من إحياء الأرض بعد موتها، كمثل ذلك تخرجون وتبعثون، فمن أنكر البعث فلينظر عملية إحياء الأرض الجامدة بالنبات بعد نزول المطر عليها.

١ معنى أوزعني: ألهمني وأولعني به. وتأويله في اللغة: كفني عن الأشياء إلى عن شكر نعمتك، وكفني عما يباعدني عنك. (لسان العرب-مادة: وزع).
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير