ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

قوله : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً لما ذكر العرضيات اللازمة للأنفس المفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق.
قوله :«يُريكُمُ البَرْق » فيه أوجه أظهرها : الموافق لأخواته١ أن يكون جملة اسمية من مبتدأ وخبر إلا أنه حذف الحرف المصدري، ولما حذف بطل عمله والأصل : ومن آياته أن يُرِيَكُمْ، كقوله :

٤٠٣٨ - أَلاَّ أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى . . . . . . . . . . . . . . . ٢
الثاني : أن «من آياته » متعلق٣ «بيريكم » أو بمحذوف على أنه حال من البَرْقِ. والتقدير «يريكم البرق من آياته » فيكون قد عطف جملة فعليةً على جملة اسمية.
والثالث : أن «يريكم » صفة لموصوف محذوف أي ومن آياته ( آية٤ ) يريكم البرق بها أو فيها البرق فحذف الموصوف والعائد عليه ومثله :
٤٠٣٩ - وَمَا الدَّهْرُ إلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا٥ أموت. . . . . . . . . . . . . ٦
أي منهما تارة أموت منها.
الرابع : أن التقدير : ومن آياته سحابٌ أو شيءٌ يريكم ؛ فيريكم صفة لذلك المقدر، وفاعل «يريكم » ضمير يعود عليه٧ بخلاف الوجه قبله، فإن الفاعل ضمير الباري تعالى.

فصل :


المعنى يريكم البرقَ خوفاً للمسافرين من الصواعق، وطمعاً للمقيمين في المطر وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون .

فصل :


قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة ( حيث٨ ذكر أولاً اختلاف الألسنة٩ والألوان ثم المنام والابتغاء، وقدم في الآفاق العارضة المفارقة ) على اللوازم حيث قال : يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ عليكم وذلك لأن الإنسان متغير الحال١٠، فالعوارض فيها أغرب من اللوازم فقدم ما هو عجيب لكونه أدخلَ في كونهِ «آيةً » فإن الإنسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم فله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز به عن غيره، وهو متغير١١ بذلك في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة والسماء ( والأرض١٢ ) ثابتان لا يتغيران ثم نرى في بعض الأحوال أمطاراً هاطلةً، وبُرُوقاً هائِلةً والسماء كما كانت والأرض كما كانت وذلك آية تدل على فاعل مختار يديم أمراً مع تغير المحلِّ ويُزِيل أمراً مع ثبات المحلِّ.

فصل :


كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء وكما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافعَ كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة وهي أن البرق إذا لاح فالذي لا يكون تحت كِنّ١٣ يخاف الابتلال فيستعد له، والذي له صهْريج١٤، أو مصنع يحتاج إلى الماء أو زرع يسوي مجاري الماء، وأيضاً أهل البوادي١٥ لا يعلمون أن البلاد عشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروقَ اللائحة من جانبٍ دُونَ جانبٍ، واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمُقِيمينَ في البلاد فهي ظاهرة للبادين فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية.

فصل :


أما كونه آيةً فلأن الذي في السحاب ليس إلا ماءً وهواءً وخروج النار١٦ منهما بحيث يحرق الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق وهو الله. وقالت الفلاسفة : السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء أو الماء فالهَوَى١٧ ألطف منه والماء أكثف فإذا هبت الريحُ قويةً تحرك السحابُ فيَحْدُثُ صوت الرعد وتخرج منه النار، كما أن النار تخرج من وَقْعِ الحَجَر على الحَديد فإن قيل : الحديد والحجر جسمان صُلْبَان، والسحاب والريح جسمان ( لَينانِ١٨ ) ( فنقول١٩ لكن حركة يد الإنسان ضعيفة، وحركة الريح قوية تقلع الأشجار ) فنقول لهم الرعد والبرق ( أَمْرانِ٢٠ ) حادثان لا بد لهما من مسبِّب، وقد٢١ علم بالبرهان كونُ كلِّ حادث ( فهما )٢٢ من الله ثم نقول :( هب٢٣ ) أن الأمر كما يقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة فلا بد لها من سبب٢٤ وينتهي إلى واجب الوجود فهو آية للعاقل على قدرة الله كَيْفَمَا فَرَضْتُمْ.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله ههنا : آيات لقوم يعقلون وقوله فيما تقدم :«لقوم يتفكرون ؟ » فالجواب :
لما كان حدوث الولد من الوالد أمراً عادياً مطرداً قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقرب إلى٢٥ الطبيعة ( من )٢٦ المختلف، والبرق والمطر ليس أمراً مطرداً ( غير مختلف٢٧ ) بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قوياً٢٨، وتارة يكون ضعيفاً فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال هو آية لمن له عقل وإن لم يتفكر تفكراً تاماً.
١ في "ب" الموافق إخوانه وانظر في ذلك التفسير الكبير للإمام الفخر ٢٥/١١٢ و ١١٣..
٢ هذا صدر بيت من الطويل للشاعر طرفة بن العبد من معلقته المعروفة عجزه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
في هذا البيت يزجر من يعيب عليه لهوه، والشاهد: حذف "أن" ونصب الفعل وهذا على قول الكوفيين بمن فيهم الفراء قائلين إن ذلك ضرورة، وفيه شاهد آخر وهو رفع الفعل وهو "أحضر" بحذف الناصب وتعريه منه والمعنى لأن أحضر وهو المراد هنا وانظر: البيان ٢/٢٥٠، ومعاني القرآن للفراء ٢/٣٢٣ ومعاني القرآن للزجاج ١/١٣٩ والسبع الطوال لابن الأنباري ١٩٢ والمقتضب ٢/١٣٤ والمسائل العسكرية ٢٠٢، والمقتصد ٧٩، والتصريح ٢/٢٤٥ والهمع ١/٦ ومجالس ثعلب ٣١٧ والبيان- أيضاً- لابن الأنباري ١/١٠١ والخزانة ١/١١٩ والديوان "٣٢" والحماسة البصرية ١/٢٧٠..

٣ في "ب" يتعلق..
٤ ساقط من "ب"..
٥ في "ب" مادتان على رواية في البيت..
٦ تمامه:
وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقد تقدم.
والبيت من الطويل، وقائله تميم من مقبل، وشاهده: حذف الموصوف وإبقاء صفته لدلالة ما قبله عليه والأصل: وتارة أموت فيها وتارة أخرى أكدح فيها انظر: ديوانه (٢٤) والكتاب ٢/٣٤٦ ومعاني الفراء ٢/٣٢٣ والقرطبي ١٤/١٨ والمقتضب ٢/١٣٦ والهمع ٢/١٢٠ والمحتسب ١/٢١٢ والطبري ٢١/٢٢ والخزانة ٥/٥٥-٥٩ والكامل ٣/١٧٩ ومعاني القرآن للزجاج ٢/٢٤٨ و ٤/١٨٢. وانظر في إعراب هذا الوجه وما قبله الدر المصون ٤/٣٢٠ والتبيان ١٠٣٨ و ١٠٣٩ والبيان ٢/٢٥٠..

٧ انظر هذا الوجه في الدر المصون ٤/٣٢٠ والتبيان ١٠٣٩..
٨ من هنا ساقط من "ب"..
٩ ساقط من "ب"..
١٠ في تفسير الفخر الرازي: والعوارض له غير بعيدة، وأما اللوازم فيه فقريبة..
١١ في "ب" يتغير..
١٢ ساقط من "ب"..
١٣ الكنّ مفرد الكنون وهو البيت اللسان "ك ن ن" ٩٤٢..
١٤ واحد الصهاريج وهي كالحياض يجتمع فيها الماء، اللسان "صَ هـْ رَ جَ" ٢٥١٦..
١٥ في "ب" الوادي..
١٦ في "ب" المياه..
١٧ الهواء وهو الأصح في "ب"..
١٨ ساقط من "ب"..
١٩ ساقط كله أيضاً من "ب"..
٢٠ ساقط من "ب"..
٢١ انظر الفخر الرازي ٢٥/١١٤..
٢٢ زيادة من "ب"..
٢٣ ساقط من "ب"..
٢٤ في "ب" نسب..
٢٥ في "ب" من..
٢٦ ساقط من "ب"..
٢٧ ساقط من "ب"..
٢٨ في "ب" قريباً..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية