قلت :( يُريكم البرق ) : فيه وجهان، أحدهما : إضمار " أن " ؛ كما في حرف ابن مسعود، والثاني : تنزيل الفعل منزلة المصدر، كما قيل في قولهم، في المثل :" تَسْمعَ بالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ من أن تراه١ ". أي : إن تسمع، أو : سماعك. و( خوفاً وطمعاً ) : مفعولان له ؛ على حذف مضاف، أي : إرادة خوف، وإرادة طمع، أو : على الحال، أي : خائفين وطامعين.
ومن آياته يُريكُمُ البرقَ خوفاً وطمعاً ، أي : خوفاً من الصواعق، وطمعاً في الغيث، أو : خوفاً للمسافر وطمعاً للحاضر، ويُنزّل من السماء ماءً ؛ مطراً فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون : يتفكرون بعقولهم.
قال في الإحياء : وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنْه جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه، وبأفعال مملكته، وأسرار مملكته، وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعَظُم، كما أنه كلما كثر البذر وحَسُن ؛ كثر الزرع وحَسُن. وقال أيضاً، في كتاب شرح عجائب القلب : ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه، ومن صفاته وأفعاله. هـ.
ومن آياته خلق سماوات أرواحكم، وأرض نفوسكم، لتقوم الأرواح بشهود عظمة الربوبية، والنفوس بآداب العبودية، واختلاف ألسنتكم ؛ فبعضها لا تتكلم إلا في الفَرْق، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم ؛ بعضها طهر فيها سيما العارفين، وبهجة المحبين، وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته منامكم في ليل الغفلة والبطالة، وَقْتَ غفلَتِكُمْ، وابتغاؤكم من فضله ؛ بزيادة معرفته وَقْتَ يقظتِكُمْ. ومن آياته يُريكم البرق، أي : يُلْمِعُ عليكم أسرَار المعاني، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة، خوفاً من الاصطلام والرجوع، وطمعاً في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته، ثم إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون، فتعرجون بأرواحكم إلى سماء وصْلته وتمكن معرفته. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي