ثم يقول الحق سبحانه :
ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ٢٤
نلحظ في تذييل الآيات مرة يقول سبحانه لقوم يتفكرون٢١ ( الروم ) ومرة للعالمين ٢٢ ( الروم ) ومرة لقوم يسمعون ٢٣ ( الروم ) أو لقوم يعقلون٢٤ ( الروم ) فتختلف الأدوات الباحثة في الآيات.
والبعض يظن أن العقل آلة يعملها في كل شيء، فالعقل هو الذي يصدق أو لا يصدق، والحقيقة أنك تستعمل العقل في مسألة الدين مرة واحدة تغنيك عن استعماله بعد ذلك، فأنت تستعمل العقل في أن تؤمن أو لا تؤمن، فإن هداك العقل إلى أن الكون له إله قادر حكيم خالق لا إله إلا هو ووثقت بهذه القضية، فإنها لا تطرأ على تكفيرك مرة أخرى، ولا يبحثها العقل بعد ذلك، ثم إنك في القضايا الفرعية تسير فيها على وفق قضية الإيمان الأولى فلا تحتاج فيها للعقل.
لذلك العقلاء يقولون : العقل كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان، لكن لا تدخل معك عليه، وهكذا العقل أوصلك إلى الإيمان ثم انتهى دوره، فإذا ما سمعت قال الله فأنت واثق من صدق القول دون أن تعمل فيه العقل.
وحين يقول سبحانه : يعقلون يتفكرون يعلمون، حين يدعوك للتدبر والعظة إنما ينبه فيك أدوات المعارضة لتتأكد، والعقل هنا مهمته النظر في البدائل وفي المقدمات والنتائج.
كما لو ذهبت مثلا لتأجر القماش فيعرض عليك بضاعتك : فهذا صوف أصلي، وهذا قطن خالص، ولا يكتفي بذلك إنما يريك جودة بضاعته، فيأخذ ( فتلة ) من الصوف، و( فتلة ) من القطن، ويشعل النار في كل منهما لترى بنفسك، فالصوف لا ترعى فيه النار على خلاف القطن.
إذن هو الذي ينبه فيك وسائل النقد، ولا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته، أما الآخر الذي لا يثق في جودة بضاعته فإنه يلجأ إلى ألاعيب وحيل يغرى بها المشتري ليغره.
كذلك الخالق- عز وجل- ينبهنا إلى البحث والتأمل في آياته فيقول : تفكروا تدبروا، تعقلوا، كونوا علماء واعين لما يدور حولكم، وهذا دليل على أننا لو بحثنا هذه الآيات لتوصلنا إلى مطلوبه سبحانه، وهو الإيمان.
والبرق : ظاهرة من ظواهر فصل الشتاء، حيث نسمع صوتا مدويا نسميه الوعد، بعد أن نرى ضوءا شديدا يلمع في الجو نسميه ( برق )، وهو عامل من عوامل كهربة الجو التي توصل إليها العلم الحديث، لكن قبل ذلك كل الناس عندما يرون البرق لا يفهمون منه إلا أحد أمرين : إما أن يأتي بصاعقة تحرقهم، أو ينزل عليهم المطر، فيخافون من الصاعقة ويرجون المطر.
ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء... ٢٤ ( الروم ) ليظل العبد دائما مع ربه بين الخوف والرجاء.
لكن أكل الناس يرجون المطر ؟ هب أنك مسافر أو مقيم في بادية ليس لك كن تكن فيه، ولا مأوى يأويك من المطر، فهذا لا يرجو المطر ولا ينتظره، لذلك من رحمته تعالى أن يغلب انفعال الطمع في الماء الذي به تحيا الأرض بالنبات.
وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها... ٢٤ ( الروم )
وكلمة السماء لها مدلولان : مدلول غالب، وهي السموات السبع، ومدلول لغوي، وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا هو المعنى المراد هنا وينزل من السماء ماء... ٢٤ ( الروم ) لأن المطر إنما ينزل من السحاب، فالسماء هنا تعني : كل ما علاك فأظلك.
ولو تأملت الماء الذي ينزل من السماء لوجدته من سحاب متراكم ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله... ٤٣ ( النور )
وسبق أن تحدثنا عن كيفية تكون السحب، وأنها نتيجة لبخر الماء، لذلك من حكمته تعالى أن جعل ثلاثة أرباع الأرض ماء والربع يابسة، ذلك لتتسع رقعة بخر الماء، فكأن الثلاثة الأرباع جعلت لخدمة الربع، وليكفي ماء المطر سكان اليابسة.
وبينا أهمية اتساع مسطح الماء في عملية البخر، بأنك حين تترك مثلا كوبا من الماء على المنضدة لمدة طويلة يظل كما هو، ولو نقص منه الماء لكان قليلا، أما لو سكبت ماء الكوب على أرض الغرفة مثلا فإنه يجف في عدة دقائق لماذا ؟ لأن مسطح الماء اتسع فكثر الماء المتبخر.
ومثلنا لتكون السحب بعملية التقطير التي نجريها في الصيدليات لنحصل منها على الماء النقي المعقم، وهذه تقوم على نظرية استقبال بخار الماء من الماء المغلى، ثم تمريره على سطح بارد فيتكثف البخار مكونا الماء الصافي، إذن : فأنت حينما تستقبل ماء المطر إنما تستقبل ماء مقطرا في غاية الصفاء والنقاء، جون أن تشعر أنت بهذه العملية، ودون أن نكلفك فيها شيئا.
وتأمل هذه الهندسة الكونية العجيبة التي ينشأ عنها المطر، فحرارة الشمس على سطح الأرض تبخر الماء بالحرارة، وفي طبقات الجو العليا تنخفض الحرارة فيحدث تكثف للماء ويتكون السحاب، ومن العجيب أننا كلما ارتفعنا ٣٠ مترا عن الأرض تقل الحرارة درجة، مع أننا نقترب من الشمس ؛ ذلك لأن الشمس لا تسخن الجو، إنما تسخن سطح الأرض، وهو بدوره يعطي الحرارة للجو ؛ لذلك كلما بعدنا عن الأرض قلت درجة الحرارة.
ومن حكمة الله أن جعل ماء الأرض الذي يتبخر منه الماء العذب جعله مالحا ؛ لأن ملوحته تحفظه أن يأسن، أو يعطن، أو تتغير رائحته، تحفظه أن تنمو به الطفيليات الضارة، وليظل على صلاحه ؛ لأنه مخزن للماء العذب الذي يروى بعذوبته الأرض.
تفسير الشعراوي
الشعراوي