ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ والمراد إخراج العبد عن الشرك الخفي، أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا تطلبوا به إلا رضاء الله.
٥- لقد غيّر الناس دين الفطرة، وجعلوا أديانا وآراء متناقضة، وذلك يشمل المشركين: عبدة الأوثان، واليهود والنصارى، والمسلمين أهل القبلة أصحاب الأهواء والبدع، كل حزب بما عندهم مسرورون معجبون لأنهم لم يتبينوا الحق، وعليهم أن يتبينوه.
سوء حال بعض الناس بالرجوع إلى الله أحيانا ثم الشرك والنكول
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)
الإعراب:
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً سُلْطاناً: قيل: هو جمع (سليط) كرغيف ورغفان، وقفيز وقفزان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، فمن ذكّر فعلى معنى الجمع، ومن أنثه فعلى معنى الجماعة. والأصح أن السلطان: الحجة، وتكلّمه مجاز كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الدلالة.
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ.. إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ إِنْ: شرطية، وجوابها قوله: إِذا

صفحة رقم 86

بمنزلة الفاء، وصارت إِذا بمنزلة الفاء لأنها لا يبتدأ بها، كما لا يبتدأ بالفاء، بسبب أنها للمفاجاة. وإنما يبتدأ ب (إذا) إذا كان فيها معنى الشرط. وتُصِبْهُمْ: مبتدأ، ويَقْنَطُونَ:
خبره. وإِذا خبر آخر، تقديره: وبالحضرة هم قانطون.
البلاغة:
يَبْسُطُ وَيَقْدِرُ بينهما طباق.
فَتَمَتَّعُوا التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة.
المفردات اللغوية:
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ أي المشركين كفار مكة وأمثالهم. ضُرٌّ شدة وبلاء. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ راجعين إليه دون غيره. ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً أي خلاصا من تلك الشدة. إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ أي فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم.
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ اللام فيه لام العاقبة أو الصيرورة، مثل آية لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص ٢٨/ ٨] وقيل: للأمر بمعنى التهديد. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة تمتعكم.
أَمْ بمعنى همزة الإنكار. سُلْطاناً حجة وكتابا. فَهُوَ يَتَكَلَّمُ تكلم دلالة، فهو مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ أي يأمرهم بالإشراك.
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ فئة من الكفار. رَحْمَةً نعمة من صحة وسعة. فَرِحُوا بِها فرح بطر، أي بطروا بسببها. سَيِّئَةٌ شدة. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بشؤم معاصيهم.
يَقْنَطُونَ ييأسون من الرحمة. ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة.
أَوَلَمْ يَرَوْا أولم يعلموا. يَبْسُطُ يوسع. لِمَنْ يَشاءُ امتحانا. وَيَقْدِرُ يضيق لمن يشاء ابتلاء. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بربهم، فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة.
المناسبة:
بعد بيان التوحيد والاستدلال عليه عقلا وبالمثال، أبان الله تعالى حال فئتين من الناس: الأولى- بعض المشركين الذين يتضرعون إلى الله وقت الشدة، ويشركون به الأوثان والأصنام وقت الرخاء. والثانية- بعض الكفار أو

صفحة رقم 87

المشركين غير المذكورين سابقا الذين تكون عبادتهم الله للدنيا، إن أوتوا منها رضوا، وإن منعوا منها سخطوا وقنطوا.
التفسير والبيان:
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ أي إذا أصاب الناس عادة شدة أو بلاء من مرض أو قحط أو تعرض للخطر في جو أو بحر أو بر ونحو ذلك من حالات الاضطرار، لجؤوا إلى الله يدعونه وحده لا شريك له، وتضرعوا إليه واستغاثوا به مقبلين عليه، راجعين إليه، حتى إذا كشف عنهم البلاء وأسبغ عليهم النعمة، فاجأ فريق منهم في حالة الاختيار، يشركون بالله، ويعبدون معه غيره من الأوثان والأصنام.
فهم انتهازيون نفعيون يؤمنون بالله، ويدعونه دون سواه وقت المصلحة أو الحاجة الشديدة، ثم يتنكرون لربهم، ويعرضون عنه حال السراء والرخاء، بل ويشركون به سواه، وهذا مبعث العجب والاستغراب.
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ اللام لام العاقبة، أي ليؤول أمرهم إلى الكفر بنعمة الله، وجحود فضله وإحسانه. ورأى بعضهم أن الفعل فعل أمر للتهديد، كما في قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف ١٨/ ٢٩] وكالأمر بعده:
فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الأمر للتهديد، كما في قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت ٤١/ ٤٠] أي استمتعوا أيها المشركون بمتاع الدنيا ورخائها، فمتاعها قصير زائل، فسوف تعلمون عقابي وشدة عذابي في الآخرة على كفركم في الدنيا.
قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب، لخفت منه، فكيف والمتوعّد هاهنا هو الذي يقول للشيء: كُنْ فَيَكُونُ؟!

صفحة رقم 88

ثم أنكر الله تعالى على المشركين فيما اختلفوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة، فقال:
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ أي أأنزلنا عليهم في عبادة الأوثان حجة وكتابا فيه تقرير ما يفعلون، وينطق أو يدل ويشهد بشركهم؟! وهذا استفهام إنكاري معناه أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم ينزل الله عليهم كتابا بما يقولون، ولا أرسل رسولا، وإنما هو شيء اخترعوه، وفي ضلالتهم يترددون.
وبعد ان بيّن الله تعالى حال المشرك الظاهر شركه، بيّن حال المشرك الذي دونه، وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه منها رضي، وإذا منعه سخط وقنط، فقال:
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ أي إذا أنعم الله على بعض الناس نعمة بطر بها، كما قال: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود ١١/ ١٠] أي يفرح في نفسه، ويفخر على غيره وإذا أصابته شدة أو شر قنط وأيس من رحمة الله وسخط لأن إصابته بالسيئة كان بسبب شؤم معصيته.
ويلاحظ أنه تعالى لم يذكر عند النعمة سببا لها لتفضله بها، وذكر عند العذاب سببا تحقيقا للعدل.
وهذا إنكار على الإنسان وطبيعته، لكن في آية أخرى عقب آية هود المتقدمة استثنى تعالى المؤمنين الصابرين فقال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [هود ١١/ ١١] أي الذين صبروا في الضراء وعملوا الصالحات،
كما ثبت في الصحيح عند أحمد ومسلم عن صهيب: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له».

صفحة رقم 89

ثم نبههم تعالى إلى ما يطرد اليأس والقنوط، فقال:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي ألم يعلموا ويشاهدوا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا، بغض النظر عن وجود صفة الكفر، ويضيق الرزق على من يشاء ابتلاء، ولو مع وجود الإيمان وصالح الأعمال، فالله هو المتصرف الفاعل للأمرين بحكمته وعدله، يوسع على قوم، ويضيق على آخرين، دون نظر إلى صفتي الإيمان والكفر لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، والمؤمن: هو الراضي بقضاء الله وقدره، ولا ييأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي إن في ذلك المذكور من سعة الرزق وإقتاره لدلالة واضحة على الإيمان الصادق، وحجة للمؤمن المصدق بوحدانية الله وقدرته تجعله يفوض الأمر إلى الله وحده.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
١- إن حال فريق من المشركين أو الكفار مدعاة للعجب، فهم يتركون الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، وتراهم لا يثبتون على وتيرة واحدة، فإذا مسّهم ضرّ من مرض أو شدة، دعوا ربهم، أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم، وأقبلوا عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها، وإذا أنعم الله عليهم بنعمة أو عافية أشركوا به في العبادة.
٢- إن مصير هؤلاء هو ملازمة الكفر، وقد هددهم الله وأوعدهم على تمتعهم بمتاع الدنيا، ثم يجدون جزاءهم العادل في عالم الآخرة.
٣- لا حجة ولا برهان للكافرين على كفرهم، فالله لم ينزل عليهم في شأن

صفحة رقم 90

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية