المعنى الجملي : لما أرشد سبحانه إلى التوحيد، وأقام الأدلة عليه، وضرب له المثل ؛ أعقبه بذكر حال المشركين يعرفون بها، وسيماء لا ينكرونها، وهي أنهم حين الشدة يتضرعون إلى ربهم، وينيبون إليه، فإذا خلصوا منها رجعوا إلى شنشنتهم الأولى، وأشركوا به الأوثان والأصنام، فليضلوا ما شاؤوا، فإن لهم يوما يرجعون فيه إلى ربهم، فيحاسبهم على ما اجترحوا من السيئات، وليتهم اتبعوا ذلك عن دليل، حتى يكون لهم شبه العذر فيما يفعلون بل هو الهوى المطاع، والرأي المتّبع، ثم ذكر حال طائفة من المشركين دون سابقيهم، وهم من تكون عبادتهم لله رهن إصابتهم من الدنيا، فإن آتاهم ربهم منها رضوا، وإذا منعوا منها سخطوا وقنطوا، وقد كان عليهم أن يعلموا أن بسط النعمة وإقتارها بيده وحده، وقد جعل لذلك أسبابا متى سلكها فاعلها وصل إلى ما يريد، وليس علينا إلا أن تطمئن نفوسنا إلى ما يكون، فكله بقدر الله وقضائه، وعلينا أن نستسلم له، ونعمل ما طلب إلينا عمله من الأخذ في الأسباب والجد في العمل جهد الطاقة.
الإيضاح : ليكفروا بما آتيناهم أي فليجحدوا نعمي عليهم وإحساني إليهم كيف شاؤوا، فإن لهم يوما نحاسبهم فيه، يوم يؤخذون بالنواصي، ويجرّون بالسلاسل والأغلال، ويقال لهم : ذوقوا ما كنتم تعملون.
ومثله الأمر بعده وهو :
فتمتعوا أي فتمتعوا بما آتيناكم من الرخاء، وسعة النعمة في الدنيا، فما هي إلا أويقات قصيرة تمضي كلمح البصر.
ثم هددهم أشد التهديد بقوله :
فسوف تعلمون إذا وردتم علي ما يصيبكم من شديد عذابي، وعظيم عقابي، على كفركم بي في الدنيا.
روي عن بعض السلف أنه قال : والله لو توعدني حارس درب لخفت فيه، فكيف والمتوعد هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون ؟.
تفسير المراغي
المراغي