ثم يقول الحق سبحانه :
ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون٣٤
يتبادر إلى الذهن أن اللام في ليكفروا... ٣٤ ( الروم ) لام التعليل، أو لام السببية التي يكون ما بعدها سببا لما قبلها، كما تقول : ذاكر لتنجح، وكذلك في الشرط والجواب : إن تذاكر تنجح فعلة المذاكرة النجاح.
فهل يستقيم المعنى هان على هذا الفهم ؟ وهل نجاهم الله وأذاقهم الرحمة ليكفروا به ؟
نقول : ليس الشرط سببا في مجيء الجواب كما يفهم السطحيون في اللغة، بل الجواب هو السبب في الشرط، لكنهم لم يفرقوا بين سبب دافع وسبب واقع، فالتلميذ يذاكر لأن الناجح ورد بباله، وتراءت له آثاره الطيبة أولا فدفعته للمذاكرة.
إذن : فالجواب سبب في الشرط أي : سبب دافع إليه، فإذا أردت أن يكون واقعا فقدم الشرط ليجيء الجواب.
وكما تقول : ركبت السيارة لأذهب إلى الإسكندرية، فركوب السيارة ليس سبب ذهابك للإسكندرية ؛ لأنك أردت أولا الذهاب فركبت السيارة، فلما ركبتها وصلت بالفعل. إذن : نقول : الشرط سبب للجواب دافعا يدفع إليه، والجواب سبب للشرط واقعا.
فهنا نجاهم الله من الكرب، وأذاقهم رحمته لا ليكفروا به، إنما ليبين لهم أنه لا مفزع لهم إلا إليه، فيتمسكون به سبحانه، فيؤمن منهم الكافر، ويزداد مؤمنهم إيمانا، لكن جاء رد الفعل، منهم على خلاف ذلك، لقد كفروا بالله ؛ لذلك يسمون هذه اللام لام العاقبة أي : أن كفرهم عاقبة النجاة والرحمة.
ومثال ذلك- ولله المثل الأعلى- لو ضممت طفلا مسكينا إلى حضانتك وربيته أحسن تربية، فلما شب وكبر تنكر لك، واعتدى عليك، فقلت للناس : ربيته ليتعدى علي، والمعنى : ربيته ليحترمني ويحبني، لكن جاءت النتيجة والعاقبة خلاف ذلك، وهذا يدل على فساد التقدير عند الفاعل الذي ربى، وعلى لؤم وفساد طبع الذي ربى.
فالأسلوب هنا ليكفروا... ٣٤ ( الروم ) يحمل معنى التقريع ؛ لأن ما بعد لام العاقبة ليس هو العلة الحقيقية لما قبلها، إنما العلة الحقيقية لما قبلها هو المقابل لما بعد اللام : أذاقهم الرحمة، ونجاهم ليؤمنوا، أو ليزدادوا إيمانا، فما كان منهم إلا أن كفروا.
ولهذه المسألة نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في قصة موسى : فالتقطه آل فرعون ليكون عدوا وحزنا... ٨ ( القصص )
ومعلوم أنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولو كانوا يعلمون هذه العاقبة لأغرقوه أو قتلوه كما قتلوا غيره من أطفال بني إسرائيل، وكما يقولون في الأمثال ( بيربي خناقه ).
فهذا دليل على غفلة الملتقط، وعلى غبائه أيضا، فكيف وهو يقتل الأولاد في هذا الوقت بالذات لا يشك في ولد جاء في تابوت ملقي في البحر ؟ أليس في هذا دلالة على أن أهله يريدون نجاته من القتل ؟ لكن كما قال سبحانه : واعلموا أن الله يحول١ بين المرء وقلبه... ٢٤ ( الأنفال )
فأنت تقتل في الأطفال لرؤيا أخبرك بها العارفون، فسيأتي من تخاف منه إلى بابك، وستأخذه وتربيه في حضنك، وسيكون زوال ملكك على يديه، فلا تظن أنك تمكر على الله.
والقصة تدل على خيبة فرعون وخيبة العرافين، فإذا كنت قد صدقت العرافين فيما أخبروك به فما جدوى قتل الأطفال، وأنت لن تدرك من سيكون زوال ملكك على يديه ولن تتمكن منه ؟ فلماذا تحتاط إذن ؟
لذلك يجب أن يكون تفكير البشر في إطار أن فوق البشر ربا، والرب يكلف العدو ليأتي بعدو له يقضي عليه، وهو سبحانه خير الماكرين، والمكر الحق أن يكون خفية بحيث لا يشعر به الممكور به.
وقد وصل بنا الحال في القرن العشرين أن نقول : الصراحة مكر القرن العشرين. يعني : من أراد أن يمكر فليقل الحق وليكن صريحا ؛ لأننا أصبحنا في زمن قلت فيه الصراحة وقول الحق، لدرجة أنك حين تحدث الناس بالحق يشكون فيك، ويستبعدون أن يكون قولك هو الحق، كالذي قال لجماعة يطلبونه ليقتلوه : أنا سأذهب إلى المكان الفلاني في الوقت الفلاني فقالوا : إنه يضللنا ويمكر بنا رغم أنه صادق فيما أخبرهم به.
وبعد أن تربى موسى- عليه السلام- في بيت فرعون، ثم كلفه ربه بالرسالة، وذهب إلى فرعون يدعوه إلى الله قال له : ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين١٨ ( الشعراء )
نعم ربيتني وليدا، لكن الذي رباني ورباك هو الذي بعثني إليك، فأنا أبر المربى الأعلى قبل أن أبر بك، وفي هذا إشارة إلى أن عناية الله هي الأصل في تربية من تحب، فإياك أن تقول : ربيت ولدي حتى صار كذا وكذا، بل عليك بالأخذ بأسباب التربية، وتترك المربي الأعلى هو الذي يربي على الحقيقة.
وهذا المعنى فطن إليه الشاعر، فقال :
إذا لم تصادف في بنيك عناية فقد كذب الراجي وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل
ثم يقول سبحانه : فتمتعوا فسوف تعلمون٣٤ ( الروم ) لأنه كفر ليتمتع بكفره في الدنيا ؛ لأن للإيمان مطلوبات صعبة تشق على النفس، فيأمرك بالشيء الثقيل على نفسك، وينهاك عن الشيء المحبب إليها، أما الأصنام التي عبدوها من دون الله وغيرها من الآلهة فلا مطلوب لها ولا منهج.
لكنه متاع الحياة الدنيا ومتاع الدنيا قليل ؛ لأن الدنيا بالنسبة لك مدة بقائك فيها فلا تقل إنها ممتدة من آدم إلى قيام الساعة، فهذا العمر الطويل لا يعنيك في شيء، الذي يعنيك عمرك أنت.
ومهما كان عمر الإنسان في الدنيا فهو قصير وتمتعه بها قليل، ثم إن هذا العمر القصير مظنون غير متيقن، فربما داهمك الموت في أي لحظة، ومن مات قامت قيامته٢.
لذلك أبهم الحق- سبحانه وتعالى- الموت، ونثر أزمانه في الخلق : فهذا يموت قبل أن يولد، وهذا يموت طفلا، وهذا يموت شابا... الخ وإبهام الموت سببا وموعدا ومكانا هو عين البيان ؛ لأنه أصبح شاخصا أمام كل منا ينتظره في أي لحظة، فيستعد له.
ونلحظ هنا أن الأسلوب القرآني عطف فعل الأمر فتمتعوا... ٣٤ ( الروم ) على الفعل المضارع ليكفروا... ٣٤ ( الروم )، وفي موضع آخر قال سبحانه : ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا... ٦٦ ( العنكبوت ) فجعل التمتع ليس خاضعا لفعل الأمر، إنما للعلة : ليكفروا وليتمتعوا.
لذلك اختلفوا حول هذه اللام. أهي للأمر أم للتعليل، فسوف تعلمون٣٤ ( الروم ) جاءت بعد فتمتعوا... ٣٤ ( الروم )، وهذه جاءت معطوفة على ليكفروا... ٦٦ ( العنكبوت ) فكأنه قال : اكفروا وتمتعوا، لكن ستعلمون عاقبة ذلك.
ولذلك جعلهم يقولون عن اللام هنا لام التعليل أنها مكسورة، أما لام الأمر فساكنة، فلما رأوا اللام مكسورة قالوا لام التعليل، أما الذي فهم المعنى منهم فقال : ما دام السياق عطف فعل الأمر فتمتعوا على المضارع المتصل باللام، فاللام للأمر أيضا، لأنه عطف عليها فعل الأمر، وهو هنا للتهديد.
لكن، لماذا كسرت والقاعدة أنها ساكنة ؟ قال أحد النحاة : لام الأمر ساكنة، ويجوز أن تكسر، واستشهد بهذه الآية ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا... ٦٦ ( العنكبوت )
ونقول لمن يقول : إنها لام التعليل : إذا سمعت لام التعليل فاعلم أنها تعني لام العاقبة ؛ لأن الكفر والتمتع لم يكن سببا في إذاقة الرحمة.
ويا من تقول لام الأمر سيقولون لك : لماذا كسرت ؟ وفي القرآن شواهد كثيرة تدل على أنها قد تكسر، واقرأ قوله تعالى : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق٢٧ ليشهدوا منافع لهم... ٢٨ ( الحج ) فاللام هنا مكسورة لأنها لام التعليل.
ثم قال بعدها : ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق٢٩ ( الحج ) فاللام سكنت لأنها لام الأمر.
وفي آية أخرى جمعت اللامان : لينفق ذو سعة من سعته.... ٧ ( الطلاق ) فجاءت لام الأمر مكسورة ؛ لأنها في أول الجملة، ولا يبتدأ في اللغة بساكن، فحركت بالكسر للتخلص من السكون، ثم يقول سبحانه : ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله... ٧ ( الطلاق ) فجاءت لام الأمر ساكنة، لأنها واقعة في وسط الكلام.
لذلك يجب أن يتنبه إلى هذه المسألة كتاب المصحف، وأن يعلموا أن كلام الله غالب، فقد فات أصحاب رسم المصحف أنه مبني من أوله إلى آخره على الوصل، حتى في آخر آيات سورة الناس وأول الفاتحة نقول الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم... .
فآخر القرآن موصول بأوله، حتى لا ينتهي أبدا، وعليه فلا ترسم لينفق ذو سعة من سعته... ٣٧ ( الطلاق ) بالكسر، إنما بالسكون، لأنها موصولة بما قبلها.
وكلمة فسوف تعلمون٣٤ ( الروم ) تدل على التراخي واستيعاب كل المستقبل، سواء أكان قريبا أم بعيدا، فهي احتياط لمن سيموت بعد الخطاب مباشرة، أو سيموت بعده بوقت طويل.
٢ رواه الديلمي في مسنده (١١١٧) عن أنس رفعه بلفظ: "إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته" وقال العجلوني في كشف الخفاء (٢٦١٨): "روي عن أنس: أكثروا ذكر الموت فإنكم إن ذكرتموه في غنى كدره عليكم، وإن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم، الموت القيامة، إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، يرى ماله من خير وشر"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي