وتصدى كتاب الله بعد ذلك للكشف عن حقيقة اجتماعية وأخلاقية بعيدة الأثر، ألا وهي أن الإنسان وحده هو العنصر الأساسي في كل فساد يقع في الأرض، وكل انحراف يصيب المجتمع، وأنه هو المسؤول مباشرة عن نتائج فساده وإفساده ماديا وروحيا، فما عليه إلا أن يتحمل نتائج عمله انحلالا واختلالا، خرابا وزوالا، ولو وقف الإنسان في سلوكه عند حد الصلاح والإصلاح، اللذين من أجلهما توجه الله بالخلافة عنه في عمارة الأرض، لما وقع في الأرض فساد، ولسعدت البلاد والعباد، وذلك ما ينطق به قوله تعالى : ظهر الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا، لعلهم يرجعون( ٤١ ) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل، كان أكثرهم مشركين( ٤٢ ) .
ومن مظاهر الفساد في الأرض الإباحية التي تتحدى كل القيم والأخلاق، واحتكار الثروات والأرزاق، والتنكر لدين الحق، وتجاهل الخالق واحتقار الخلق، ومن آثار الفساد زوال الطمأنينة، وانتشار الخوف، وفقدان الثقة بين الأفراد والدول، والتلوث الساري في مختلف الأجواء والأرجاء، والنقص من الأموال، والأنفس والثمرات. وإلى ما يتعرض له الإنسان من الابتلاء والامتحان، يشير قوله تعالى هنا : ليذيقهم بعض الذي عملوا .
وقوله : لعلهم يرجعون ، إشارة إلى أن الله تعالى لا يريد الانتقام من عباده، عندما يسلط عليهم آثار أعمالهم، وإنما هي بمنزلة السوط يؤدبهم به، عسى أن يغيروا ما بأنفسهم، ويعودوا إلى صراط الله الحميد، فيبسط لهم من جديد بساط نعمته، ويخلع عليهم رداء رحمته، وبنفس هذا المعنى جاء قوله تعالى في آية أخرى ( ١٦٨ : ٧ ) : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري