ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا أي يعلمون ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية. وقيل هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع. وقيل الظاهر : الباطل وَهُمْ عَنِ الآخرة التي هي النعمة الدائمة، واللذة الخالصة هُمْ غافلون لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما يحتاج إليه، أو غافلون عن الإيمان بها والتصديق بمجيئها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله : الم * غُلِبَتِ الروم قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم كانوا أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم، فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلاً فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلاً خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«ألا جعلته» - أراه قال - : دون العشر، فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله : الم غُلِبَتِ الروم فغلبت، ثم غلبت بعد بقول الله لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله قال سفيان : سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب نحوه، وزاد أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارس، ساء النبيّ ما جعله أبو بكر من المدّة وكرهه وقال :«ما دعاك إلى هذا ؟» قال : تصديقاً لله ولرسوله فقال :«تعرّض لهم وأعظم الخطة واجعله إلى بضع سنين»، فأتاهم أبو بكر فقال : هل لكم في العود فإن العود أحمد ؟ قالوا : نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارسا، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا رومية، فقمر أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«هذا السحت تصدّق به». وأخرج الترمذي وصححه، والدارقطني في الأفراد، والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الشعب عن نيار ابن مكرم الأسلمي قال : لما نزلت الم * غُلِبَتِ الروم الآية كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك يقول الله : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله وكانت قريش تحبّ ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة الم * غُلِبَتِ الروم فِي أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ فقال ناس من قريش لأبي بكر : ذلك بيننا وبينكم يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك ؟ قال : بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر : لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه، قال : فسموا بينهم ستّ سنين، فمضت الستّ قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ستّ سنين ؛ لأن الله قال : فِي بِضْعِ سِنِينَ فأسلم عند ذلك ناس كثير.
وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر :«ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع» وأخرج البخاري عنه في تاريخه نحوه. وأخرج الفريابي، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال : لما كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت :«الم * غُلِبَتِ الروم» قرأها بالنصب يعني للغين على البناء للفاعل إلى قوله : يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله . قال : ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس، وهذه الرواية مفسرة لقراءة أبي سعيد ومن معه.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء قال : سيجيء أقوام يقرأون : الم * غَلِبَتِ الروم يعني : بفتح الغين، وإنما هي غلبت يعني : بضمها، وفي الباب روايات وما ذكرناه يغني عما سواه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس يَعْلَمُونَ ظَاهِراً من الحياة الدنيا يعني معايشهم، متى يغرسون ؟ ومتى يزرعون ؟ ومتى يحصدون ؟ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله : كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً قال : كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية