ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ

ولا تُصَعِّر خَدكَ للناس أي : تُمله عنهم، ولا تولهم صفَحة خدك، كما يفعله المتكبرون. والتصعير : داء يصيب العير، فيلوى عُنُقَهُ منه. والمعنى : أَقْبِل على الناس بوجهك ؛ تواضعاً، ولا تُولهم شق وجهك وصفحته ؛ ولا تمشِ في الأرض مرحاً ؛ خُيَلاَءَ ؛ متبختراً، فهو مصدر في موضع الحال، أي : مَرِحاً، أو تمرح مرحاً، أو : لأجل المرح، إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ ، علة النهي. والمختال هو المرِحُ الذي يمشي خيلاء، والفخور هو المُصَعِّرُ خَدَّهُ ؛ تكبراً. وتأخير الفخور، مع تقدمه ؛ لرؤوس الآي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد اشتملت وصية لقمان على خصال صوفية، تدل على كمال صاحبها، منها : استحضار مراقبة الحق ومشاهدته، في السر والعلانية، في الجلاء والخفاء. وهو قوله : يا بُني إنها إن تك مثقالَ حبة... إلخ. ومنها : القيام بوظائف العبودية، بدنية ولسانية، وهو قوله : يا بُني أقم الصلاة... إلخ، ويقاس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر عبادات اللسان، ومنها : الصبر على النوائب، سواء كانت من جهة الخلق، أو من قهرية الحق، وهو ركن في الطريق. وتقدم تفصيله في آخر النحل٣. ومنها : التواضع والليونة، وهما مصيدة الشرف، ومن شأن أهل السياسة. ومن تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره. وهو قوله : ولا تُصعر خدَّك للناس ولا تمش في الأرض مرحا . ومنها : السكينة والوقار والرزانة، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال. وهو قوله : واقصد في مشيك . ومنها : خفض الصوت في سائر الكلام، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة، والقرب من الحق، قال تعالى : وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً [ طه : ١٠٨ ]، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء.
قال القشيري : قوله تعالى : وأْمُر بالمعروف... ، الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغُهُ أن تمنع نفسك عما تنهى عنه، واشتغالك، واتصاف نفسك، بما تأمر به غيرك، ومنْ لا حُكْم له على نفسه ؛ لا حُكْم له على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به : ما يُوَصِّلُ العبدَ إلى مولاه، والمنكر الذي يجب النهي عنه : ما يشغل العبد عن الله. ثم قال : وقوله تعالى : واصبر على ما أصباك : تنبيه على أنَّ مَنْ قام لله بحقِّ امْتُحِنَ في الله، فسبيله أن يصبرَ في الله، فإنَّ من صبر لله لم يخسر على الله.
ثم قال : قوله تعالى : وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ؛ لا تتكبرْ عليهم، وطالِعْهم مِنْ حَيْثُ النسبة، وتحقق بأنكَ بمشهدٍ من مولاك. ومن عَلِمَ أن مولاه ينظر إليه ؛ لا يتكبرُ ولا يتطاول، بل يتخاضع ويتضاءل. قوله تعالى : واقصد في مشيك.. الآية، أي : كُنْ فانياً عن شواهدك، مُصْطَلَماً عن صَوْلَتِك، مأخوذاً عن حَوْلِكَ وقوتك، متشبهاً بما استولى عليك من كشوفات سِرِّك. وانظر مَنِ الذي يسمع صوتك حين تستفيق من خُمَارِ غفلتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير : في الإشارة : أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذنٍ من الحق. وقالوا : هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. هـ. أي يتكلم على الناس، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير