[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٢ الى ٢١]
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)
قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور.
قال محمّد بن إسحاق بن يسار: وهو لقمان بن باعور بن باحور بن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أخت أيّوب. وقال مقاتل: ذكر أنّ لقمان كان ابن خالة أيّوب.
قال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل، واتّفق العلماء على أنّه كان حكيما ولم يكن نبيّا إلّا عكرمة فإنّه قال: كان لقمان نبيّا، تفرّد بهذا القول.
حدّثنا أبو منصور الجمشاذي قال: حدّثني أبو عبد الله محمد بن يوسف، عن الحسين بن محمد، عن عبد الله بن هاشم، عن وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيّا. وقال بعضهم: خيّر لقمان بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة.
وروى عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: «حقّا أقول لم يكن لقمان نبيّا ولكن عبد صمصامة كثير التفكير، حسن اليقين «١»، أحبّ الله فأحبّه وضمن عليه بالحكمة» [١٨٢] «٢».
[وروي أنّ لقمان في ابتداء أمره] «٣» كان نائما نصف النهار إذ جاءه نداء: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحقّ؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيّرني ربّي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعا وطاعة. فإنّي أعلم إن فعل ذلك بي عصمني وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كلّ مكان إن [وفي فبالحري] أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن في الدنيا ذليلا [وفي الآخرة شريفا] خير من أن يكون] في الدنيا] شريفا [وفي الآخرة ذليلا].
ومن تخيّر الدنيا على الآخرة تفته «٤» الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة. فانتبه يتكلّم بها «٥».
(٢) كنز العمال: ١٤/ ٣٤.
(٣) زيادة عن المصدر.
(٤) في المصدر: تفتنه.
(٥) المهذب البارع لابن فهد: ٤/ ٤٥٤، وتاريخ دمشق: ١٧/ ٨٥.
ثمّ نودي داود بعده فقبلها ولم يشرط ما شرط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرّة كلّ ذلك يعفو الله عزّ وجلّ عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى. وأعطي داود الخلافة وأبتلي بالبليّة والفتنة.
وحدّثنا الإمام أبو منصور بن الجمشاذي لفظا قال: حدّثني أبو عبد الله بن يوسف عن الحسن بن محمد، عن عبد الله بن هاشم، عن وكيع، عن محمّد بن حسّان، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيّا نجّارا. وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي عن أسود بن عامر، عن حمّاد، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أنّ لقمان كان خيّاطا.
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني وقلنا له: أن اشكر لله.
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين، متشقّق القدمين. وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنّك أسود، فإنّه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر بن الخطّاب ولقمان الحكيم كان أسود نوبيّا من سودان مصر ذا مشافر.
قوله تعالى: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ واسمه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ قال ابن عبّاس: شدّة بعد شدّة. الضحاك: ضعف على ضعف. قتادة: جهدا على جهد. مجاهد وابن كيسان: مشقّة على مشقّة.
وَفِصالُهُ فطامه. وروي عن يعقوب: وفصله فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ أنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني، عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي قال:
أخبرني أبو بكر محمّد بن القاسم البلخي، عن نصير بن يحيى، عن سفيان بن عيينة في قول الله عزّ وجلّ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ قال: من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات فقد شكر للوالدين.
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً عشرة جميلة، وتقديره: بالمعروف.
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ واسلك طريق محمّد وأصحابه.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقّاص وأمّه، وقد مضت القصّة.
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ قال بعض النحاة: هذه الكناية راجعة إلى الخطيئة والمعصية، يعني: إنّ المعصية إن تك. يدلّ عليه قول مقاتل: قال أنعم بن لقمان لأبيه: يا أبة إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال له: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ. وقال آخرون: هذه الهاء عماد، وإنّما أنّث لأنّه ذهب بها إلى الحبّة، كقول الشاعر:
| ويشرق بالقول الذي قد أذعته | كما شرقت صدر القناة من الدم «١» |
أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ باستخراجها خَبِيرٌ عالم بمكانها. ورأيت في بعض الكتب أنّ لقمان (عليه السلام) قال لابنه:
| يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ | إلى آخر الآية. فانفطر من هيبة هذه الكلمة فمات فكانت آخر حكمته. |
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ النخعي ونافع وأبو عمرو وابن محيص ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي تصاعر بالألف.
أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرني أبو حبش قال أبو القاسم بن الفضل قال أبو زرعة: حدّثني نضر بن علي قال: أخبرني أبي عن معلى الورّاق عن عاصم الجحدري وَلا تُصْعِرْ خَدَّكَ بضم التاء وجزم الصاد من أصعر. الباقون تُصَعِّرْ من التّصعير. قال ابن عبّاس:
يقول لا تتكبّر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك. مجاهد: هو الرجل يكون بينه وبينك إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. عكرمة: هو الذي إذا سلّم عليه لوى عنقه تكبّرا. الربيع وقتادة: لا تحقّر الفقراء، ليكن الفقير والغني عندك سواء.
عطاء: هو الذي يلوي شدقه. أخبرنا عبد الله بن حامد، عن حامد بن محمد، عن محمد
(٢) سورة القلم: ١. ٢.
ابن صالح، عن عبد الصمد، عن خارجة بن مصعب، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قال: التشديق في الكلام. وقال المؤرّخ: لا تعبس في وجوه الناس.
وأصل هذه الكلمة من الميل، يقال: رجل أصعر إذا كان مائل العنق. وجمعه صعر، ومنه، الصّعر: وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها حتى يلفت أعناقها، فشبّه الرجل المتكبّر الذي يعرض عن الناس احتقارا لهم بذلك. قال الشاعر يصف إبلا:
| وردناه في مجرى سهيل يمانيا | بصعر البري من بين جمع وخادج «١» |
| وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه | أقمنا له من ميله فتقوّما «٢» |
أخبرني عبد الله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن جيغويه، عن صالح ابن محمد، عن جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: خرج رجل يتبختر في الجاهلية عليه حلّة، فأمر الله عزّ وجلّ الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة «٣».
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي تواضع ولا تتبختر وليكن مشيك قصدا لا بخيلاء ولا إسراع.
أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرني أبو العبّاس محمد بن إسحاق السرّاج وأبو الوفا، المؤيّد بن الحسين بن عيسى قالا: قال عبّاس بن محمد الدوري، عن الوليد بن سلمة قاضي الأردن، عن عمر بن صهبان، عن نافع عن ابن عمران أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن» [١٨٣] «٤».
وَاغْضُضْ واخفض مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال مجاهد وقتادة والضحاك: أقبح، أوّله زفير وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته. عكرمة والحكم بن عيينة:
أشدّ. ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا ما جعله للحمير.
أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحري قال: أخبرني أبو حامد أحمد بن عبدون بن عمارة الأعمش قال: أخبرني أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، عن يحيى بن صالح
(٢) البداية والنهاية: ٢/ ١٤٩.
(٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٢٢. كنز العمال: ٣/ ٥٣٧ اختلاف في الحديث.
(٤) كنز العمال: ١٥/ ٤١٢ ح ٤١٦٢٠.
الوحاضي، عن موسى بن أعين قال: سمعت سفيان يقول في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ يقول: صياح كلّ شيء تسبيح لله عزّ وجلّ إلّا الحمار. وقيل: لأنّه ينهق بلا فائدة.
أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه عن محمد بن الحسين بن بشر قال: أخبرني أبو بكر ابن أبي الخصيب، عن عبد الله بن جابر، عن عبد الله بن الوليد الحراني، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زادان، عن أمّ سعد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنّ الله عزّ وجلّ يبغض ثلاثة أصوات: نهقة الحمار، ونباح الكلب، والداعية بالحرب» [١٨٤].
فصل في ذكر بعض ما روي من حكم لقمان
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان الأصفهاني، عن أحمد بن شاذان، عن جيغويه بن محمد [عن صالح بن محمد] عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن محمد بن عجلان قال: قال لقمان: ليس مال كصحّة، ولا نعيم كطيب نفس.
وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، عن محمد بن عبد الغفّار الزرقاني، عن أبو سكين زكريا بن يحيى بن عمر بن [حفص «١» ] عن عمّه أبي زجر بن حصن، عن جدّه حميد بن منهب قال: حدّثني طاوس، عن أبي هريرة قال:
مرّ رجل بلقمان والناس مجتمعون عليه فقال: ألست بالعبد الأسود الذي كنت راعيا بموضع كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.
وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو الحسين بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله ابن أحمد بن حنبل، عن أبيّ، عن وكيع قال: أخبرني أبو الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيّا نجّارا، فقال له سيّده: اذبح لنا شاة، فذبح له شاة، فقال له: ائتني بأطيب المضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب. فقال: ما كان فيها شيء أطيب من هذا؟ قال: لا، قال:
فسكت عنه ما سكت، ثمّ قال له: اذبح لنا شاة، فذبح شاة، فقال: ألق أخبثها مضغتين، فرمى باللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللّسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: لأنّه ليس شيء بأطيب منهما إذا طابا وأخبث منهما إذا خبثا.
وأخبرني الحسين بن محمد، عن أحمد بن جعفر بن حمدان، عن يوسف بن عبد الله عن موسى ابن إسماعيل، عن حمّاد بن سلمة، عن أنس أنّ لقمان كان عند داود (عليه السلام) وهو يسرد درعا فجعل لقمان يتعجّب ممّا يرى، ويريد أن يسأله، ويمنعه حكمه عن السؤال، فلمّا فرغ منها وجاء بها وصبها قال: نعم درع الحرب هذه! فقال لقمان: إنّ من الحكم الصمت وقليل فاعله.
[وأخبرني الحسين بن محمد بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي «١» ] قال: أخبرني أبو أسامة ووكيع قالا: أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان لقمان من أهون مملوكيه على سيّده. قال: فبعثه مولاه في رقيق له إلى بستان له ليأتوه من ثمره، فجاؤوا وليس معهم شيء، وقد أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان. فقال لقمان لمولاه: إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله أمينا، فاسقني وإيّاهم ماء حميما ثمّ أرسلنا فلنعد، ففعل، فجعلوا يقيئون تلك الفاكهة وجعل لقمان يقيء ماء، فعرف صدقه وكذبهم.
قال: أوّل ما روي من حكمته، أنّه بينا هو مع مولاه، إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هونا، وقم هونا، قال: فخرج وكتب حكمته على باب [الحش] «٢».
قال: وسكر مولاه يوما فخاطر قوما على أن يشرب ماء بحيرة، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنت اجتبيتك، فقال: اخرج كرسيّك وأباريقك ثمّ اجمعهم، فلمّا اجتمعوا قال: على أيّ شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة، قال: فإنّ لها موادّ احبسوا موادّها عنها، قالوا: وكيف نستطيع أن نحبس موادها عنها؟ قال لقمان: وكيف يستطيع شربها ولها موادّ؟! وأخبرني الحسين بن محمد، عن عبيد الله بن محمد بن شنبه، عن علي بن محمد بن ماهان، عن علي بن محمد الطنافسي قال: أخبرني أبو الحسين العكلي [عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن داود بن عمر، عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار أنّ لقمان قدم من سفر،] «٣» فلقي غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله، ملكت
(٢) تفسير الدر المنثور: ٥/ ١٦١ مورد الآية.
(٣) ورد في نسخة أصفهان: عن أبي الحسين العكلي، عن بكر بن عبد الله المرني، عن أبيه قال: قال لقمان:
ضرب الوالد ولده كالسّماد للزرع. وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا داود بن عمرو قال: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الله بن دينار أنّ لقمان قدم من سفر.. الحديث.
أمري. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدّد فراشي، قال: ما فعلت أختي؟ قال:
ماتت، قال: ستر عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.
وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي، عن سفيان قال: قيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وقيل للقمان: ما أقبح وجهك! قال: تعيب بهذا على النقش أو على النقّاش؟
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ.
قرأ نافع وشيبه وأبو جعفر وأبو رجاء العطاردي وأبو محلز وأبو عمرو والأعرج وأيّوب وحفص نعمه بالجمع والإضافة، واختاره أبو عبيد وأبو معاذ النحوي وأبو حاتم، وقرأ الآخرون منوّنة على الواحد ومعناها جمع أيضا، ودليله قول الله عزّ وجلّ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «١» وقال مجاهد وسفيان: هي لا إله إلّا الله، وتصديقه أيضا ما أخبرني أبو القاسم [الحبيبي] «٢» أنّه رأى في مصحف عبد الله نعمته بالإضافة والتوحيد ظاهِرَةً وَباطِنَةً اختلفوا فيها فأكثروا. فقال ابن عبّاس: أمّا الظاهرة فالدين والرياش، وأمّا الباطنة فما غاب عن العباد وعلمه الله.
مقاتل: الظاهرة تسوية الخلق والرّزق والإسلام، والباطنة ما ستر من ذنوب بني آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب عليها. الضحّاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة المغفرة. القرظي: الظاهرة محمّد (عليه السلام) والباطنة المعرفة. ربيع:
الظاهرة بالجوارح والباطنة بالقلب. عطاء الخراساني: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة الشفاعة. مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة الإمداد بالملائكة.
أخبرنا الحسين بن محمد بن إبراهيم النيستاني، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ابن محمش، قال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى بن الحرب، عن محمد بن يوسف بن محمد ابن سابق الكوفي قال: أخبرني أبو مالك الجبني، عن جويبر، عن الضحاك قال: سألت ابن عبّاس عن قول الله عزّ وجلّ: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: هذا من محرزي الذي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قلت: يا رسول الله ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ قال: أمّا الظاهرة فالإسلام وما حسن من خلقك وما أفضل عليك من الرزق، وأمّا الباطنة ما ستر من سوء عملك، يا ابن عبّاس يقول الله تعالى: إنّي جعلت للمؤمن ثلثا صلاة المؤمنين عليه بعد انقطاع عمله أكفّر
(٢) هكذا في الأصل.
به عن خطاياه، وجعلت له ثلث ماله ليكفّر به عنه من خطاياه وسترت عليه سوء عمله الذي لو قد أبديته للناس لنبذه أهله فما سواهم.
وقال محمّد بن علي الترمذي: النعمة الظاهرة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي «١» والباطنة قوله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٢».
[الحرث بن أسد المحاسبي] «٣» : الظاهرة نعيم الدنيا، والباطنة نعيم العقبى. عمرو بن عثمان الصدفي: الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة تضعيف الصنائع.
وقيل: الظاهرة الجزاء، والباطنة الرضا. سهل بن عبد الله: الظاهرة إتباع الرسول، والباطنة محبّته. وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر والباطنة تصفية السرائر. وقيل: الظاهرة التبيين، بيانه قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٤» وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ «٥» والباطنة التزين قوله:
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ «٦» وقيل: الظاهرة الرزق المكتسب، والباطنة الرزق مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
وقيل: الظاهرة المدخل للغذاء، والباطنة المخرج للأذى. وقيل: الظاهرة الجوارح، والباطنة المصالح. وقيل: الظاهرة الخلق، والباطنة الخلق. وقيل الظاهرة التنعيم، بيانه قوله:
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٧» والباطنة التعليم. قوله: وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ «٨» وقيل: الظاهرة ما أعطى وحبا من النعماء، وقيل الباطنة: ما طوي وزوي من أنواع البلاء، وقيل: الظاهرة الدعوة، بيانه قوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ «٩» والباطنة الهداية. بيانه قوله: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ «١٠».
وقيل: الظاهرة الإمداد بالملائكة، والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفّار، وقيل: الظاهرة تفصيل الطاعات، وهو أنّه ذكر طاعتك واحدة فواحدة وأثنى عليك بها وأثابك عليها، بيانه قوله:
التَّائِبُونَ «١١» وقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «١٢» وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ «١٣» إلى آخر الآية. والباطنة إجمال المعاصي وذلك أنّه دعاك منها إلى التوبة باسم الإيمان من غير عدّها وتفصيلها، بيانه قوله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ «١٤» وقيل: الظاهرة إنزال الأقطار والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأمصار.
(٢) سورة المائدة: ٣.
(٣) في نسخة أصفهان: الحرب بن أسد المحاربي.
(٤) سورة المائدة: ١٧٦.
(٥) سورة البقرة: ٢٢١.
(٦) سورة الحجرات: ٧.
(٧) سورة الحمد: ٧.
(٨) سورة البقرة: ١٥١.
(٩) سورة يونس: ٢٥.
(١٠) سورة يونس: ٢٥. [.....]
(١١) سورة التوبة: ١١٢.
(١٢) سورة المؤمنون: ١.
(١٣) سورة الأحزاب: ٣٥.
(١٤) سورة النور: ٣١.
وقيل: الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنة الإخلاص والعصمة من المراءاة، وقيل:
الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان، وقيل: الظاهرة تلاوة القرآن والباطنة معرفته. وقيل:
الظاهرة ضياء النهار للتصرّف والمعاش، والباطنة ظلمة الليل للسكون والقرار. وقيل: الظاهرة النطق، والباطنة العقل، وقيل: الظاهرة نعمه عليك بعد ما خرجت من بطن أمّك، والباطنة: نعمه عليك وأنت في بطن أمّك.
وقيل: الظاهرة الشهادة الناطقة، والباطنة السعادة السابقة. وقيل: الظاهرة ألوان العطايا، والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة وضع الوزر ورفع الذّكر، والباطنة شرح الصدر.
وقيل: الظاهرة فتح المسالك والباطنة نزع الممالك ممّن خالفك، وقيل: الظاهرة المال والأولاد، والباطنة الهدى والإرشاد، وقيل: الظاهرة القول السديد والباطنة التأييد والتسديد، وقيل: الظاهرة ما يكفّر الله به الخطايا من الرزايا والبلايا، والباطنة ما يعفو عنه ولا يؤاخذ به في الدنيا والعقبى، وقيل: الظاهرة ما بينك وبين خلقه من الأنساب والأصهار، والباطنة ما بينك وبينه من القرب والأسرار والمناجاة في الأسحار، وقيل: الظاهرة العلوّ بيانه قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «١» والباطنة الدنوّ بيانه قوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «٢».
قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ نزلت في النضر بن الحرث حين زعم أنّ الملائكة بنات الله وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا.
قال الله تعالى: أَوَلَوْ كانَ قال الأخفش: لفظه استفهام ومعناه تقرير، وقال أبو عبيدة:
لو هاهنا متروك الجواب مجازه أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي موجباته فيتبعونه.
(٢) سورة الواقعة: ١١.
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي
نظير الساعدي