الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه وإن أصابه فيهما وفي هذا دليل أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف، إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه ولا يحتمله.
١٨ - وقوله: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وقرئ: تصاعر (١). قال أبو الحسن: [لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم، والمعنى فيه لا تتكبر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبرًا عليهم.
قال أبو عبيدة: (أجل هذا من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها وأعناقها). فكأنه يقول: لا تعرض عنهم ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء، الذي يلوي منه عنقه ويعرض بوجهه، ومثل ذلك قوله:
يهدي إلى حياة ثاني الجيد] (٢) (٣).
وقال أبو علي: (يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف) (٤).
قال أبو إسحاق: أما تصعر فعلى وجه المبالغة، وتصاعر على تفاعل كأنك تعارضه بوجهك (٥).
(٢) انظر الكلام بنصه في: "الحجة" لأبي علي الفارسي ٥/ ٤٥٥ من قوله: قال أبو الحسن. وانظر قول أبي عبيدة في: "مجاز القرآن" ٢/ ١٢٧. ولعل المؤلف -رحمه الله- وهم عندما قال: قال أبو الحسن.. ، فالقول لأبي علي بنصه.
(٣) جزء من ليت لم أعثر له على تتمته ولا على قائله، وقد ذكره أبو علي في "الحجة" غير منسوب لأحد.
(٤) انظر "الحجة": ٥/ ٤٥٥.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ١٩٨، ونص كلام أبي إسحاق: فأما تصعر فعلى وجه المبالغة، ويصاعر جاء على معنى يفاعل، كأنك تعارضهم بوجهك.
وقال المفضل (١): يقال للذي يفعل ذلك ومن صعر خده وصاعر (٢). وأنشد للمتلمس:
| وكنا إذا الجبار صاعر خده | أقمنا له من درأه فيقوما |
وقال مقاتل: لا تعرض بوجهك تكبرًا عن فقراء المسلمين إذا كلموك (٤).
وروى ابن أبي نجيح ومنصور عن مجاهد قال: هو الصدود والإعراض بالوجه عن الناس، كالرجل بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه (٥).
وقال أبو الجوزاء في هذه الآية: إذا ذكر الرجل عندك تلوي شدقك كأنك تحقره (٦). وهذا معنى ما روي عن إبراهيم أنه قال: هو التشديق (٧).
انظر: "تاريخ بغداد" ٣/ ١٢١، "معرفة القراء الكبار" ١/ ١٠٨، "غاية النهاية" ٢/ ٣٠٧.
(٢) لم أقف على قول المفضل، إلا أن الماوردي في "النكت" ٤/ ٣٣٩، قال: الصعر هو الميل. عن المفضل.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٣ ب، "تفسير الطبري" ٢١/ ٧٤.
(٤) انظر: " تفسير مقاتل" ٨٢ ب.
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٣ / ب، "تفسير الطبري" ٢١/ ٧٥.
(٦) انظر: "تفسير الماوردي" ٣/ ٣٣٩، "تفسير ابن كثير" ٥/ ٣٨٥.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٣ ب، الطبري ٢١/ ٧٥، ابن كثير ٥/ ٣٨٥.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي