تفسير المفردات : اقصد : أي توسط، اغضض : أي انقص منه وأقصر، من قولهم : فلان يغض من فلان إذا قصّر به ووضع منه وحط من قدره، أنكرت الأصوات : أي أقبحها وأصعبها على السمع من نكر( بالضم )نكارة، أي صعب.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن لقمان أوتي الحكمة، فشكر ربه على نعمه المتظاهرة عليه وهو يرى آثارها في الآفاق والأنفس آناء الليل وأطراف النهار - أردف ذلك ببيان أنه وعظ ابنه بذلك أيضا، ثم استطرد في أثناء هذه المواعظ إلى ذكر وصايا عامة وصى بها سبحانه الأولاد في معاملة الوالدين رعاية لحقوقهم، وردّا لما أسدوه من جميل النعم إليهم، وهم لا يستطيعون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، على ألا يتعدى ذلك إلى حقوقه تعالى، ثم رجع إلى ذكر بقية المواعظ التي يتعلق بعضها بحقوقه، وبعضها يرجع إلى معاملة الناس بعضهم مع بعض.
الإيضاح : ٣ ) واقصد في مشيك أي وامش مشيا مقتصدا ليس بالبطيء المتثبّط، ولا بالسريع المفرط، بل امش هونا بلا تصنع ولا مراءاة للخلق، بإظهار التواضع أو التكبر.
روي عن عائشة أنها نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتا، فقالت : ما لهذا ؟ فقيل : إنه من القراء( الفقهاء العالمين بكتاب الله )قالت : كان عمر سيد القراء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع.
ورأى عمر رجلا متماوتا، فقال له : لا تمت علينا ديننا أماتك الله. ورأى رجلا مطأطئا رأسه، فقال له :" ارفع رأسك، فإن الإسلام ليس بمريض ".
واغضض من صوتك أي وانقص منه وأقصر، ولا ترفع صوتك حيث لا يكون إلى ذلك حاجة، لأنه أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه.
ثم علل النهي وبينه بقوله :
إن أنكر الأصوات لصوت الحمير أي إن أبشع الأصوات وأقبحها برفعها فوق الحاجة بلا داع هو صوت الحمير، وغاية من يرفع صوته أنه يجعله شبيها بصوت الحمار في علوه ورفعه، وهو البغيض إلى الله.
وفي ذلك ما لا يخفى من الذم، وتهجين رفع الصوت، والترغيب عنه، ومن جعل الرافع صوته كأنه حمار مبالغة في التنفير من عمله، وهذا أدب من الله لعباده بترك الصياح وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة.
وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، قال شاعرهم :
| جهير الكلام جهير العطاس | جهير الرواء جهير النعم |
| ويعدو على الأين عدو الظليم | ويعلو الرجال بخلق عمم١ |
تفسير المراغي
المراغي