قوله : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله قرأ عَليٌّ ( والسُّلَمِيُّ١ ) «يُسَلِّمْ » بالتشديد٢، لما بين حال المشرك والمجادل٣ في الله بين حال المستسلم المسلم لأمر الله وقوله :«وَهُو مُحْسِنٌ » أي لله يعني يخلص دينه لله ويفوض أمره إليه وهو محسن في عمله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه لأن أوثق العُرَى جانب الله، فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باقٍ لا انقطاع له وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور يعني فقد استمسك بالعروة التي توصله إلى الله لأن عاقبةَ كُلِّ شيء إليه.
فإن قيل : كيف قال هَهُنَا : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله ( فعداه «بإلى »٤ وقال في البقرة : بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ) فعداه باللاّم ؟ فقال الزمخشري : أَسْلَمَ لِلّه٥ أي إلى الله يعني أنَّ «أَسْلَمَ » يتعدى تارة «باللام » وتارة «بإلى » كما يتعدى «أرسل » تارة باللام، وتارة «بإلى » قال تعالى : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ [ النساء : ٧٩ ] وقال : كَمَا أَرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً [ المزمل : ١٥ ].
٢ إعراب القرآن للنحاس ٤/٢٨٧ ومختصر ابن خالويه ١١٧ بنسبتها أيضاً إلى عبد الله بن مسلم بن يسار. والقرطبي ١٤/٧٤ والكشاف ٣/٢٣٥ والبحر المحيط ٧/١٩٠ ومعاني الفراء ٢/٣٢٩..
٣ في "ب" والمجاهد وهو تحريف..
٤ ما بين القوسين ساقط من "ب"..
٥ الكشاف للزمخشري ٣/٢٣٥ قال: "فإن قلت: ما له عدي بإلى وقد عدي باللام في قوله: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن؟ قلت: معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالماً لله أي خالصاً له. ومعناه مع "إلى" أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود