وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله أي يفوّض إليه أمره، ويخلص له عبادته ويقبل عليه بكليته وَهُوَ مُحْسِنٌ في أعماله ؛ لأن العبادة من غير إحسان لها ولا معرفة بما يحتاج إليه فيها، لا تقع بالموقع الذي تقع به عبادة المحسنين. وقد صح عن الصادق المصدوق لما سأله جبريل عن الإحسان أنه قال له :«أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك »، فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى أي اعتصم بالعهد الأوثق وتعلق به، وهو تمثيل لحال من أسلم وجهه إلى الله بحال من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى حبل متدلّ منه وإلى الله عاقبة الأمور أي مصيرها إليه لا إلى غيره. وقرأ عليّ بن أبي طالب والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار : ومن يسلم بالتشديد، قال النحاس : والتخفيف في هذا أعرف كما قال عزّ وجلّ : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ [ آل عمران : ٢٠ ].
وأخرج ابن أبي إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الارض الآية ؟ أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد، أرأيت قولك وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً [ الإسراء : ٨٥ ] إيانا تريد أم قومك ؟ فقال :«كُلا»، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك : أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء ؟ فقال :«إنها في علم الله قليل»، وأنزل الله : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض الآية. وأخرجه ابن مردويه عنه بأطول منه. وأخرج ابن مردويه أيضاً عن ابن مسعود نحوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني