ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

ثم يقول الحق سبحانه :
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( ٣٢ ) .
معنى غَشِيَهُم مَّوْجٌ.. ( ٣٢ ) [ لقمان ] يعني : غطاهم واحتواهم، لذلك قال كَالظُّلَلِ.. ( ٣٢ ) [ لقمان ] جمع ظلة، وهي التي تعلو الإنسان وتظلله،
ولا يكون الموج كذلك إلا إذا علا عن مستوى الإنسان، وخرج عن رتابة الماء وسجسجته. ومن ذلك قوله الله تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ.. ( ١٧١ ) [ الأعراف ].
وأنت تشاهد هذه المظاهر إذا كنت في عرض البحر، فترى الموجة من بعيد أعلى منك، وأنها حتما ستطمسك، حتى إذا ما وصلت إليك شاهدت فيها مظهرا من لطف الله بك، حيث تتلاشى وتمر من تحتك بسلام، وهذا شيء عجيب ونعمة تستوجب الشكر.
فالموج إذن شيء مخيف، لذلك لما غشيهم وأيقنوا الهلاك دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.. ( ٣٢ ) [ لقمان ] دعوا الله رغم أنهم كافرون به، لكن المرء في مثل هذه الحال لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، فالأمر جد، فلم يدعوا اللات أو العزى، ولم يقل أحد منهم يا هبل، إنما دعوا الله بإخلاص لله، فإن كانوا ملتفتين لدين آخر في عبادة الأصنام، ففي هذا الموقف لا بدّ أن يخلصوا لله، لأنهم واثقون أن الأصنام لن تنفعهم، وأنها لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولن يكون النفع وكشف البلاء إلا من الله الحق.
فإن قلت : ما دام الأمر كذلك، فما الذي صرفهم عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام ؟
قلنا : إن التدين طبيعة في النفس البشرية، وهذه الطبيعة باقية في ذرات كل إنسان منذ خلق الله آدم، وأخذ من صلبه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. ( ١٧٢ ) [ الأعراف ] فشهدوا.
فكل واحد منا فيه ذرة شهدت هذا العهد، وهذه الذرة هي مصدر الإشراقات في نفس المؤمن، وعليه أن يحافظ عليها بأن يأخذ قانون صيانة هذه الذرة ممن خلقها، لا أن يطمس نورها بمخالفة قانون صيانته الذي وضعه له ربه عز وجل فيكون كمن قال الله فيه : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( ١٢٤ ) [ طه ].
النبي صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه المسألة بقوله :( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه )١.
فالنفس الإنسانية بخير ما دام فيها الإشراقيات الإلهية الأولى التي شهدت أن الله هو الرب، لكن إذا تضببت فلا بدّ أن تحدث الخيبة ويدخل الفساد.
إذن : التدين طبع في النفس، لكن التدين الحق له مطلوبات ومنهج بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا يريد أن يرضي نفسه بأن يكون متدينا، لكن يريد أن يريح نفسه من مطلوبات هذا التدين، فماذا يفعل ؟ يلجأ إلى عبادة إله لا مطلوبات له، وقد توفرت هذه في عبادة الأصنام.
لكن نقول لمن عبد الأصنام : لا بدّ أن يأتي عليك الوقت الذي لا تلتفت فيه إلى الأصنام، بل إلى الإله الحق الذي هربت من مطلوباته وانصرفت عن عبادته، لا بدّ أن تلجئك الأحداث إلى أن تلوذ به، لذلك يقولون في المثل ( اللي متحبش تشوف وجهه، يحوجك الزمن لقفاه ).
فأنتم أعرضتم عن الله وكفرتم به، فلما نزلت بكم الأحداث وأحاطت بكم الأمواج صرتم أرانب، فلماذا الآن تلجئون إلى الله ؟ لماذا لم تستمروا على عنادكم وتكبركم حتى على الله ؟
ثم يقول تعالى : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ.. ( ٣٢ ) [ لقمان ] وكان ينبغي عليهم بعد أن اعترفوا أن الله هو الإله الحق الذي يلجأ إليه ويستغاث به، وبعد أن نجاهم وأسعفهم، كان ينبغي عليهم أن يؤمنوا به، وأن يطيعوه، وأن تؤثر فيهم هذه الهزة التي زلزلتهم، إلا أنهم عادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والإعراض عن الله، وطاوع نفسه وشهوته.
هذه هي حال الكافر حينما يتعرض للابتلاء والتمحيص، فإنه ينتكس ولا يرعوى على خلاف المؤمن، فإنه إن تعرض لمثل هذا الاختبار يزداد إيمانا ويقينا.
والمقتصد هو البين بين، تأخذه الأحداث والخطوب، فترده إلى الله حال الكرب والشدة، لكنه إذا كشف عنه تردد وضعفت عنده هذه الروح، بدليل أن الله تعالى يذكر في مقابل المقتصد نوعا آخر منهم غير مقتصد وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( ٣٢ ) [ لقمان ]
فمنهم من بهت كفره حينما تنبه فيه الوازع الإيماني، لكنه لما نجا غرته الدنيا من جديد، ومنهم الجاحد الختّار أي : الغادر.
ولك أن تلحظ المقابلة بين صبّار وختّار، وبين شكور وكفور.

١ حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧٧٥)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" الحديث..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير