ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل شبه الموج لكبره بما يظلّ الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما، وإنما شبه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع، لأن الموت يأتي شيئاً بعد شيء، ويركب بعضه بعضاً.
وقيل : إن الموج في معنى الجمع لأنه مصدر، وأصل الموج : الحركة والازدحام، ومنه يقال : ماج البحر وماج الناس. وقرأ محمد بن الحنفية :«موج كالظلال » جمع ظلّ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين أي دعوا الله وحده لا يعوّلون على غيره في خلاصهم ؛ لأنهم يعلمون أنه لا يضرّ ولا ينفع سواه، ولكنه تغلب على طبائعهم العادات وتقليد الأموات، فإذا وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية الله، وأخلصوا دينهم له ؛ طلباً للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر صاروا على قسمين : فقسم مُّقْتَصِدٌ أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له، باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر، وأخرجه إلى البرّ سالماً. قال الحسن : معنى مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر، والأولى ما ذكرناه، ويكون في الكلام حذف، والتقدير فمنهم مقتصد ومنهم كافر، ويدلّ على هذا المحذوف قوله : وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ الختر : أسوأ الغدر، وأقبحه، ومنه قول الأعشى :

بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير ختار
قال الجوهري : الختر : الغدر، يقال : ختره فهو ختار. قال الماوردي : وهذا قول الجمهور. وقال ابن عطية : إنه الجاحد، وجحد الآيات : إنكارها، والكفور : عظيم الكفر بنعم الله سبحانه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : خَتَّارٍ قال : جحاد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور قال : هو الشيطان. وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : جاء رجل من أهل البادية، فقال : إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد ؟ وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ؟ فأنزل الله : إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة الآية. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة نحوه وزاد : وقد علمت ما كسبت اليوم، فماذا أكسب غداً ؟ وزاد أيضاً أنه سأله عن قيام الساعة. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله : لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله» وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة في حديث سؤاله عن الساعة وجوابه بأشراطها، ثم قال :«في خمس لا يعلمهنّ إلا الله، ثم تلا هذه الآية» وفي الباب أحاديث.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية