النيرين) لتعلموا وتقرّوا بأن الله هو الإله الحق، وأن ما عداه باطل زائل لا وجود له ولا حقيقة له، وأن الله هو العلي في مكانته، الكبير في سلطانه.
٦- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي آية أرضية دالة على قدرة الله تعالى، فهو الذي جعل الماء قادرا على حمل السفن، وسيّرها إما بالهواء، وإما بتعليم الإنسان وإلهامه الاستفادة من الطاقة البخارية أو النفطية أو الذرية أو الكهربائية لجريها السريع.
كل ذلك ليرينا الله تعالى بعض آياته، ويجعلنا نشاهد بعض مظاهر قدرته في البحار، وفي ذلك علامات وعبر وعظات لكل صبّار على قضاء الله، شكور على نعمائه،
قال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتقدم تخريجه: «الإيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر».
وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.
الأمر بتقوى الله وبيان مفاتح الغيب
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
الإعراب:
وَاخْشَوْا يَوْماً يَوْماً منصوب على أنه مفعول وَاخْشَوْا ولا يجوز أن يكون ظرفا، لأنه يصير الأمر بالخشية في يوم القيامة، ويوم القيامة ليس بيوم تكليف، وإنما هو يوم الجزاء.
وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ مرفوع معطوف على والِدٌ المرفوع الذي هو فاعل يَجْزِي وهُوَ تأكيد لما في مَوْلُودٌ من الضمير، ولا يجوز أن يكون هُوَ ضمير فصل، لأن الفصل لا يدخل بين النكرتين.
ماذا تَكْسِبُ غَداً ماذا منصوب ب تَكْسِبُ لا ب تَدْرِي لأن الاستفهام ينتصب بما بعده لا بما قبله، هذا إذا جعل (ما وذا) بمنزلة شيء واحد، فإن جعلا بمنزلة كلمتين، وجعلا بمنزلة (الذي) وجعل موضع ماذا مرفوعا، لم يجز نصبه ب تَدْرِي لما ذكر، وإنما نحكم على موضع الجملة بالنصب بدخوله عليها.
المفردات اللغوية:
اتَّقُوا رَبَّكُمْ خافوا عقابه. لا يَجْزِي لا يقضي فيه، أو لا يغني. وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ إن تغيير النظم بين يَجْزِي وجازٍ للدلالة على أن المولود أولى بألا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي وعده بالبعث وبالثواب والعقاب صدق لا يمكن إخلافه. فَلا تَغُرَّنَّكُمُ فلا تخدعنكم.
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ في حلمه وإمهاله. الْغَرُورُ الشيطان وكل ما غرّ الإنسان من مال وجاه، والشيطان يرجّي بالتوبة والمغفرة، فيجسّر على المعاصي.
عِلْمُ السَّاعَةِ علم وقت قيام القيامة. وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ بوقت يعلمه. ما فِي الْأَرْحامِ من الذكورة والأنوثة، والتمام والنقص، والحياة والموت، وغير ذلك من خواص الجنين وأحواله وأعراضه. ماذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر، وتنفيذ العزم على شيء وخلافه. بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أي كما لا تدري في أي وقت تموت، والله يعلمه وحده. عَلِيمٌ بكل شيء، يعلم الأشياء كلها. خَبِيرٌ يعلم الباطن والظاهر.
سبب النزول: نزول الآية (٣٤) :
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية هو الحارث بن عمرو «١»، فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية.
المناسبة:
بعد ذكر دلائل التوحيد من أول السورة إلى آخرها، أمر الله تعالى بتقوى الله والخوف منه، والخشية من يوم القيامة، لأنه تعالى لما كان واحدا أوجب التقوى البالغة، وأنذر الناس يوم المعاد، وأخبر بأنه حق كائن، ثم أردفه ختاما للسورة ببيان ما استأثر الله بعلمه، وهي مفاتح الغيب الخمسة، لأنه بعد هذا الإنذار كأن قائلا قال: فمتى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن العلم بهذه الأمور لا يحصل لغير الله، ولكن يوم المعاد كائن لا بد منه، وإن لم يعلم الناس وقته، والله قادر عليه.
التفسير والبيان:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً أي يا أيها البشر من كفار ومؤمنين خافوا الله الذي خلقكم ورزقكم، وسخر لكم هذا الكون، واحذروا عقابه، واخشوا يوما شديد الهول هو يوم القيامة الذي لا يغني فيه والد عن ولده، فلو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه، ولا مولود هو مغن عن والده أو نافع والده شيئا، فلو أراد فداء والده بنفسه، لم يقبل منه، إذ لا يستطيع أحد أن يشفع بأحد إلا بإذن الله، ولا جدوى عند الله إلا بالعمل الصالح الحاصل في الحياة الدنيا.
ثم أخبر الله تعالى عن حدوث هذا اليوم حتما، فقال:
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي إن وعد الله بالبعث وبالثواب والعقاب أمر ثابت مؤكد حصوله، ولا شك فيه، ولا خلف لوعده.
ومقتضى التخويف الإعداد لهذا اليوم وترك التعلق بالدنيا، فقال تعالى:
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أي لا تخدعنكم زينة
الدنيا، فتطمئنوا فيها، وتميلوا إليها، تاركين الاستعداد للآخرة، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله وإمهاله، فيعدكم بالمغفرة، ويحملكم على المعصية بتزيينها لكم، وينسيكم الآخرة، كما قال تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [النساء ٤/ ١٢٠].
وفي الآية دلالة واضحة على أن الدنيا غرّارة بزخارفها ومتاعها، وأن الشيطان بوساوسه يقوي هذا الغرور بالدنيا، لصرف الناس عن الآخرة والتزود لها بصالح الأعمال.
وقيل: الغرور: الدنيا، وقيل: تمني المغفرة في المعصية، والأماني الباطلة برحمة الله واعتماده على شفاعة شافع أو كونه مسلما محبا الله ورسوله بقلبه دون عمل، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرة بالله: أن يتمادى الرجل في المعصية، ويتمنى على الله المغفرة. وقد ردّ القرآن على هذه التمنيات بقوله تعالى:
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [النساء ٤/ ١٢٣].
ثم ذكر الله تعالى مفاتح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلام بها، فقال:
١- إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي إن علم وقت الساعة (أي القيامة) مختص بالله سبحانه، فلا يعلم أحد بوقته سواه، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، كما قال: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [الأعراف ٧/ ١٨٧].
٢- وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ أي ويختص تعالى أيضا بمعرفة وقت إنزال المطر ومكانه المعين، لا يعلمه إلا الله، فإن أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه.
وأما نشرة الأرصاد الجوية في أيامنا فتعتمد على بعض الحسابات والأمارات، وما ترصده بعض الأجهزة المخصصة لمعرفة نسبة الرطوبة وسرعة الرياح، فليس ذلك غيبا، وإنما هو تخمين وظن، قد يحدث نقيضه، كما أن معرفته تكون قبل مدة قريبة، يلاحظ فيها اتجاهات الرياح والمنخفضات الآتية من الشمال أو من الغرب مثلا.
٣- وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ أي لا يعلم أحد إلا الله ما في الأرحام من خواص الجنين وأحواله العارضة له من طبائع وصفات وذكورة وأنوثة، وتمام خلقة ونقصها، فإن توصل العلماء بسبب التحليل الكيميائي كون الجنين ذكرا أو أنثى، فلا يعني ذلك غيبا، وإنما بواسطة التجربة، وتظل أحوال أخرى كثيرة مجهولة للعلماء، لا تعلم إلا بعد الولادة. قال القرطبي: وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك «١».
٤- وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً أي لا تعلم نفس ماذا تكسب في الغد من خير أو شر في دنياها وأخراها.
٥- وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أي وما تعلم نفس موضع موتها، في بلدها أو غيرها من بلاد الله، لا علم لأحد بذلك.
روي أن ملك الموت مرّ على سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجبا منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي إن علم الله غير مختص بهذه الأمور الخمسة، بل هو عليم مطلقا بكل شيء، وليس علمه علما بظاهر الأشياء فحسب، بل خبير علمه، يعلم بواطن الأمور وظواهرها.
ويلاحظ أنه جعل العلم لله في قوله: عِلْمُ وَيَعْلَمُ والدراية للعبد في قوله: وَما تَدْرِي نَفْسٌ لما في الدراية من معنى الختل والحيلة والمعنى:
أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها.
ونظير الآية: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام ٦/ ٥٩].
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».
ويلاحظ أن هذه الأمور الخمسة تشتمل على الدليلين المكررين في القرآن لإثبات البعث:
أحدهما- إحياء الأرض بعد موتها، حيث قال تعالى هنا: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وقال في موضع آخر: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى [الروم ٣٠/ ٥٠] وقال تعالى: وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم ٣٠/ ١٩].
والثاني- الخلق ابتداء، حيث قال هنا: وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وقال في موضع آخر: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم ٣٠/ ٢٧] وقال:
قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [العنكبوت ٢٩/ ٢٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- وجوب الخوف من الله تعالى وتوحيده، وخشية يوم المعاد الذي لا بد من حصوله.
٢- البعد عن الاغترار بزينة الحياة وزخارفها، والاتكال عليها والركون إليها، وترك العمل للآخرة.
٣- إن الدنيا غرارة، وإن الشيطان يغرّ الناس ويمنّيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة، فيصبح الإنسان مغرورا يعمل بالمعصية ويتمنى بالمغفرة!! ٤- لا يعلم أحد إلا الله تعالى بأمور خمسة: هي وقت الساعة، ووقت إنزال الغيث ومكانه، وعلم ما في الأرحام من أحوال الجنين وأوصافه العارضة له، وأعمال المستقبل القريب والبعيد، ومكان وفاة الإنسان.
قال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملك مقرّب، ولا نبي مرسل فمن ادّعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه.
أما الأنبياء فيعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. وبذلك يبطل كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء «١» عالمين بالغيبيات.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سورة السجدةمكية، وهي ثلاثون آية.
تسميتها وفضلها:
سميت سورة السجدة لما فيها من وصف المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى ويسبحونه عند سماع آيات القرآن العظيم: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [١٥].
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقرأ في الفجر يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ السجدة، وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الإنسان ٧٦/ ١].
وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم لا ينام حتى يقرأ الم تَنْزِيلُ السجدة، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك ٦٧/ ١].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة لقمان من ناحية اشتمال كل منهما على أدلة التوحيد وهو الأصل الأول للعقيدة، وبعد أن ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة الأصل الثاني وهو الحشر أو المعاد، وختم تلك السورة بهذين الأصلين، بدأ هذه السورة ببيان الأصل الثالث وهو الرسالة أو النبوة، فقال تعالى:
الم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ... صفحة رقم 182
كذلك تعد بعض آيات هذه السورة شرحا وتفصيلا للسورة السالفة، فقوله تعالى هنا: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٥] توضيح لقوله تعالى في بيان مفاتح الغيب هناك: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [٣٤].
وقوله سبحانه هنا: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [٢٧] تفصيل لقوله هناك: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [٣٤].
وقوله هنا: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [٧] شرح لقوله هناك:
وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [٣٤].
وقوله هنا: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [٥] شرح لقوله هناك: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً [٣٤].
وقوله هنا: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ إلى قوله: قُلْ: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [١٠- ١١] إيضاح لقوله:
وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [٣٤].
موضوعها:
موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية وهو إثبات أصول الاعتقاد: «الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والرسل والبعث والجزاء» ومحور الكلام إثبات (البعث) بعد الموت الذي أنكره المشركون والماديون، واتخذوه سببا لتكذيب النبي صلّى الله عليه وسلّم.
مشتملاتها:
افتتحت السورة بتقرير كون القرآن العظيم بلا أدنى شك هو كتاب الله المنزل على رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وإثبات رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإبطال مزاعم المشركين بأن
الرسول افترى هذا القرآن، وبيان أنه لم يأتهم رسول مثله قبله.
ثم أوردت السورة أدلة وحدانية الله وقدرته من تدبيره الكون، وخلقه الإنسان ورعايته له في أطواره التي يمر بها، ثم بعثه الخلق مرة أخرى ليوم مقداره ألف سنة مما تعدّون، بأسلوب يرد على إنكار المشركين البعث والنشور، لظنهم بسبب عجزهم أن التفتت إلى ذرّات مبعثرة مشتتة يحيل بعدئذ تجمعها وإعادتها إلى خلق جديد.
ثم وصفت السورة حال المجرمين الكافرين وحال المؤمنين الطائعين لله، فالأولون تلبسهم الذلة والمهانة، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا، ويذوقون العذاب الأليم. والمؤمنون لا تفارقهم في الدنيا الطاعة في الليل والنهار، ويدعون ربهم خوفا وطمعا، وينفقون أموالهم في مرضاة الله، ولهم في الآخرة جزاء عملهم الثواب الجزيل، والفضل العظيم الذي تقرّ به أعينهم، وجنات المأوى والاستقرار والخلود.
وعقّبت السورة على حال هذين الفريقين باستبعاد التسوية بينهما إذ لا يعقل مكافأة العصاة كمكافأة الطائعين.
ثم ختمت السورة بتقرير ما بدأت به، فذكرت الرسالة، وأبانت الهدف من إنزال التوراة على موسى عليه السلام، وهو هداية بني إسرائيل، تنبيها على وجه الشبه بين رسالة محمد ورسالة موسى عليهما الصلاة والسلام.
ثم ذكرت التوحيد والقدرة وأقامت البرهان عليهما بإهلاك الأمم الظالمة في الماضي، وأخيرا أكدت حدوث الحشر الذي استبعد الكفار حصوله.
فصار مطلع السورة ومضمونها وخاتمتها إثبات أصول العقيدة وهي كما ذكرت: التوحيد، والرسالة، والبعث.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي