ثم عرفنا كتاب الله بأن عذاب الله الذي يسلطه على الكفار والعصاة من خلقه، لتأديبهم وعقابهم، نوعان : النوع الأول ( العذاب الأدنى ) وهو الأصغر، والنوع الثاني ( العذاب الأبعد ) وهو الأكبر، أما ( العذاب الأدنى ) فهو عذاب الدنيا، ويصدق بالمصائب والأسقام التي يبتلى بها الخلق، تأديبا لهم، حتى يتوبوا إلى الله ويرجعوا إلى صراطه المستقيم، ومما يندرج في هذا النوع من العذاب حدود الجرائم والقتل، والأسر في الحرب، والقحط والغلاء، واضطراب حبل الأمن في السلم، وأما ( العذاب الأبعد ) فهو عذاب الآخرة بشدائده وأهواله، على اختلاف أصنافه وأحواله، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ، وهو العذاب الأصغر ( دون العذاب الأكبر )، وهو العذاب الأبعد لعلهم يرجعون( ٢١ ) ، فإن أفاد الأول في التأديب، لم تبق حاجة إلى ما فوقه من أنواع التعذيب، ومن لطائف التفسير ما نبه إليه فخر الدين الرازي في هذه الآية، من أن وصف عذاب الدنيا بكونه ( قريبا ) هو الذي يصلح للتخويف والإنذار، لا كونه صغيرا، لأن العذاب العاجل - وإن كان قليلا - يحترز منه الناس أكثر مما يحترزون من العذاب الشديد إذا كان آجلا، ووصف عذاب الآخرة بكونه ( كبيرا وعظيما ) هو الذي يصلح للتخويف والإنذار، لا كونه بعيدا، فاختار كتاب الله في كلا العذابين الوصف الذي هو أصلح للتخويف بهما، بدلا من مقابلهما غير المناسب، ولذلك قال في عذاب الدنيا : العذاب الأدنى ، ولم يقل العذاب الأصغر، وقال في عذاب الآخرة : العذاب الأكبر ، ولم يقل العذاب الأبعد.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري