ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ

خَرُّوا سُجَّداً أي انقادت أعضاؤهم للسجود، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، أي وتحرك ألسنتهم بتنزيهه تعالى عن الشرك وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)، عن الخرور والتسبيح
والتحميد تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي تتنحى جنوبهم عن مواضع المنام.
قال أنس: نزلت هذه الآية فينا، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلّى الله عليه وسلّم. وعن أنس أيضا قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وهي صلاة الأوابين وهو قول ابن حازم ومحمد بن المنكدر، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما والمشهور أن المراد منه صلاة الليل وهو قول الحسن، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي وجماعة
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»
«١» يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً من عدم قبول عبادته ومن سخطه تعالى وعذابه، وَطَمَعاً في رحمته وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ من المال يُنْفِقُونَ (١٦) في وجوه البر والحسنات، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ أي فلا تعلم نفس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ما ذخر لهم، مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أي ما يحصل به الفرح والسرور جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أي للجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً؟ أي أفبعد ظهور التباين بين المؤمن والكافر يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه الفاضلة كالكافر الذي ذكرت أحواله الشنيعة، لا يَسْتَوُونَ (١٨)، أي
المؤمنون كعلي رضي الله عنه، والكافرون كالوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه كان بينهما تنازع يوم بدر فقال الوليد بن عبقة لعلي:
اسكت فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة فقال علي: اسكت فإنك فاسق. فأنزل الله تعالى هذه الآية
. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا أي حالة كونها ثوابا معدا لهم كما يعد ما يحصل به الإكرام للضيف بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) أي بسبب أعمالهم الصالحة في الدنيا. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا أي خرجوا عن دائرة الإيمان فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها، أي النار أُعِيدُوا فِيها بمقامع الحديد. وَقِيلَ لَهُمْ أي قالت الزبانية زيادة في غيظهم: ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) أي الذي كنتم في الدنيا تكذبون بعذاب النار وقلتم: إنه لا يكون
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ، أي ولنصيبن كفار مكة من عذاب الدنيا بالقحط سبع سنين، والقتل والأسر يوم بدر قبل عذاب الآخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) يتوبون عن الكفر، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي لنذيقنهم ولا يرجعون فيكونون قد ذكروا بآيات الله من النعم أولا والنقم ثانيا، ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم. إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) أي لما لم ينفعهم العذاب الأدنى فأنا

(١) رواه ابن ماجة في المقدّمة، باب: في فضائل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

صفحة رقم 243

منتقم منهم بالعذاب الأكبر. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، أي التوراة فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ أي فلا تكن يا أشرف الخلق في شك من لقاء الكتاب الذي هو القرآن، أي إنا آتينا موسى مثل ما أتيناك من الكتاب فلا تكن في شك من أنك لقيت نظيره، وَجَعَلْناهُ أي الكتاب الذي آتيناه موسى هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) كما جعلنا كتابك هاديا للأمة وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ إلى دين الله بِأَمْرِنا إياهم بذلك، كما جعلنا من أمتك صحابة يهدون لَمَّا صَبَرُوا أي حين صبروا على مشاق الطاعات ومقاساة الشدائد في نصرة الدين.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم، أي لصبرهم على ذلك. وَكانُوا بِآياتِنا- التي في تضاعيف الكتاب يُوقِنُونَ (٢٤) لإمعانهم فيها النظر إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ أي يقضي بَيْنَهُمْ أي بين المبتدع والمتبع كما يفصل بين المؤمن والكافر، أو يفصل بين المختلفين من أمة واحدة كما يفصل بين المختلفين من الأمم الكثيرة يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) من أمور الدين. أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم كثرة إهلاكنا وقد جوز أن يكون الفاعل ضميرا يعود على الله، كما يدل عليه قراءة «نهد» بنون العظمة فيكون «كم أهلكنا» إلخ استئنافا مبينا لكيفية هدايته تعالى مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ مثل عاد وثمود، وقوم ولوط. يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ أي يمرون في أسفارهم إلى التجارة على ديارهم وبلادهم، ويشاهدون آثار هلاكهم إِنَّ فِي ذلِكَ أي في كثرة إهلاكنا الأمم الخالية العاتية لَآياتٍ عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي التي أزيل نباتها بالمرة.
قال ابن عباس هي أرض اليمن والشام. وقال قوم: هي مصر فَنُخْرِجُ بِهِ أي بذلك الماء من تلك الأرض زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أي من ذلك الزرع أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ قدم الأنعام في الأكل لأن الزرع أول ما ينبت يصلح للدواب، ولأن الزرع غذاء الدواب، وهو لا بد منه أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) ؟
أي ألا ينظرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على كمال قدرته تعالى، وعلى فضله؟ وَيَقُولُونَ أي المشركون للمؤمنين بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء: مَتى هذَا الْفَتْحُ أي النصر؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) ! وكان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح لنا على المشركين وإن الله ينصرنا عليكم. قُلْ يا أشرف الخلق لبني خزيمة وبني كنانة يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ إذا جاءهم العذاب وقتلوا لأن إيمانهم حال القتل إيمان اضطرار، وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) أي يمهلون بتأخير العذاب عنهم، ولما فتحت مكة هربت قوم من بني كنانة فلحقهم خالد بن الوليد، فأظهروا الإسلام، فلم يقبله منهم خالد وقتلهم، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي عن بني خزيمة ولا تبال بتكذيبهم وَانْتَظِرْ هلاكهم يوم فتح مكة إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) هلاكك. ويقال: وانتظر النصر من الله فإنهم ينتظرون النصر من آلهتهم. ويقال: وانتظر عذابهم بنفسك فإنهم ينتظرونه بلفظهم استهزاء.

صفحة رقم 244

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية