ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ

ثم إن عذاب الفاسقين لا يقتصر على عذاب الآخرة، إنما سيكون لهم عذاب آخر يذوقونه في الدنيا :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى١ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ٢١ ) .
الْعَذَابِ الْأَدْنَى.. ( ٢١ ) [ السجدة ] أي : القريب والمراد في الدنيا دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ.. ( ٢١ ) [ السجدة ] أي : عذاب الآخرة، وهذا العذاب الذي سيصيبهم في الدنيا مظهر من مظاهر رحمة الله حتى بالكافرين والفاسقين ؛ لأن الله تعالى علّله بقوله : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ٢١ ) [ السجدة ].
إذن : المراد ما يلحقهم من عذاب في دار التكليف كالأسر والذلّة والهوان من كثرة المؤمنين وقوتهم، ألم يركب عبد الله بن مسعود٢ مع ما عرف عنه من ضآلة الجسم٣ على أبي جهل في إحدى الغزوات، وقد طرحه في الأرض وداسه بقدمه، ويروى أن أبا جهل نظر إليه وهو على هذه الحال وقال : لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم٤.
ووصف العذاب في الآخرة بأنه العذاب الأكبر، لأنه العذاب المحيط الذي لا مهرب منه ولا ملجأ.
وقوله سبحانه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ٢١ ) [ السجدة ] أي : رجاء أن يعودوا إلى ساحة الإيمان. وقلنا : إن لعل تفيد الرجاء المحقق إن كان الفعل من الله عزوجل، أما الرجاء هنا فرجاء في العبد الذي يملك الاختيار، لذلك رجع منهم البعض، ولم يرجع الآخرون.

١ قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروى مثله عن كثير غيره. وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة يعني به عذاب القبر. [تفسير ابن كثير ٣/٤٦٢]..
٢ هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، ومن أكابر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا وعقلا وقربا من رسول الله، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة، كان قصيرا جدا يكاد الجلوس يوارونه، ولي بيت مال الكوفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفى فيها عن نحو ستين عاما..
٣ قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن مسعود رجلا نحيفا قصيرا. وقال إبراهيم التيمي: أن ابن مسعود صعد شجرة فجعلوا يضحكون من دقة ساقيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتضحكون منهما؟ لهما أثقل في الميزان من جبل أحد. [ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/١٤٣]..
٤ كان هذا في غزوة بدر، حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتماس أبي جهل في القتلى، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل، فوجده بآخر رمق، فوضع رجله على عنقه، وقال له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم. ثم احتز ابن مسعود رأسه. [السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٧٦، ٢٧٧]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير