و أم في أَمْ يَقُولُونَ افتراه هي المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة، أي بل أيقولون هو مفترى ؟ فأضرب عن الكلام الأوّل إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ، ومعنى افتراه افتعله واختلقه، ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب، فقال : بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ فكذبهم سبحانه في دعوى الافتراء، ثم بيّن العلة التي كان التنزيل لأجلها، فقال : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ وهم العرب وكانوا أمة أمية لم يأتهم رسول. وقيل : قريش خاصة، والمفعول الثاني لتنذر محذوف، أي لتنذر قوماً العقاب، وجملة : ما أتاهم من نذير في محل نصب على الحال، و من قبلك صفة لنذير. وجوّز أبو حيان أن تكون ما موصولة، والتقدير : لتنذر قوماً العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، وهو ضعيف جدّاً، فإن المراد : تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله، لا تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به. وقيل المراد بالقوم : أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ رجاء أن يهتدوا، أو كي يهتدوا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني