ثم يقول الحق سبحانه١ :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( ١٨ ) .
قد : حرف يفيد التحقيق، خاصة إذا جاءت من الحق سبحانه، ويأتي معها الفعل في صيغة الماضي، لكن هنا قَدْ يَعْلَمُ.. ( ١٨ ) [ الأحزاب ] فجاء الفعل بصيغة المضارع، وهذا يعني أن الحدث الذي يقع الآن سيثبت أن الله يعلم المعوقين، وقد علم أزلا.
فإن قلت : فالحق سبحانه يعلم قبل أن يكون هناك تعويق، نقول : فرق بين أن يعلم الأمر قبل أن يقع، وأن يعلمه إذ يقع، فقد يقول قائل : علمت وسوف تجازيني على ما تعلم سابقا، لكن لو تركتني في المستقبل لن تحدث مني مخالفة. إذن : فالحق سبحانه يريد أن يؤكد هذا الأمر. والمعوّق : هو الذي يضع العوائق أمام مرادك، ويثبط همّتك ويخذلك.
وقوله هَلُمَّ إِلَيْنَا.. ( ١٨ ) [ الأحزاب ] يعني : أقبل وتعال. وكلمة ( هلم ) تأتي هكذا بصيغة المفرد دائما مع المفرد والمثنى والجمع، ومع المذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا.. ( ١٥٠ ) [ الأنعام ] أي : هاتوا، وهذه هي اللغة الفصيحة.
وفي لغة من لغات تهامة يلحقون بها علامة التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فيقولون : هلم وهلمي وهلما وهلموا، ولجمع الإناث هلمن.
وقوله تعالى : وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( ١٨ ) [ الأحزاب ] البأس أي : الحرب، كما جاء في قوله تعالى : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ.. ( ٨٠ ) [ الأنبياء ].
وقال سبحانه : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ.. ( ١٧٧ ) [ البقرة ] ففرق بين البأس والبأساء : البأس أي : الحرب. أما البأساء، فكل ما يصيب الإنسان من مكروه في غير ذاته كفقد ولد، أو خسارة مال.. إلخ، أما الضراء فما يصيب الإنسان في ذاته، كمرض أو نحوه.
ومن ذلك قول الله تعالى عن سيدنا داود : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ.. ( ٨٠ ) [ الأنبياء ].
والمراد : صناعة الدروع التي يلبسها الإنسان على مظان المقاتل فيه، وعلى أجهزته الحيوية كالصدر والقلب والرأس، ولها غطاء خاص ( الخوذة )، وتصنع الدروع مسننة. أي : بها تموج وتجاويف، بحيث تتلقى ضربات السيف بإحكام، فلا تنفلت الضربة إلى مكان آخر فتؤذيه.
لذلك يقول تعالى لنبيه داود عن هذه الصنعة وقدر في السرد.. ( ١١ ) [ سبأ ] أي : في إحكام هذه الحلقات المتداخلة.
وفرق أيضا هنا بين لبوس ولباس : اللباس هو ما يقي الإنسان تقلبات الجو، ويستر عورته أثناء الأمن وسلام الحياة، وهذه هي الملابس العادية التي يرتديها الناس.
وفيها يقول الحق سبحانه : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( ٨١ ) [ النحل ].
أما كلمة ( لبوس ) فهي المعدة لحالة الحرب كالدروع ونحوها ؛ لذلك جاءت بصيغة دالة على التضخيم ( لبوس ).
وهذه الآية تلفتنا إلى مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز، فالآية هنا ذكرت ( الحر )، ولم تذكر شيئا عن المقابل له، وهو البرد، والعلماء عادة ما يلجئون إلى تقدير هذا المحذوف عند تفسير الآية، فيقولون : أي تقيكم الحر والبرد، يريدون أن يكملوا أسلوب القرآن، وهذا لا يجوز.
وحين نمعن النظر في هذه الآية، نجد أن الله تعالى خلق الظلال لتقينا حرارة الشمس، وجعل اللباس، وكذلك جعل لنا الأكنان في الجبال، والله خلق الحرّ على هذه الصورة التي لا يتحملها الإنسان، لأن للحر مهمة في حياتنا، فحرارة الشمس تخدمك في أمور كثيرة، وإن كانت تضايقك بعض الوقت، فالحق سبحانه أبقاها لتؤدي مهمة خير لك، ثم حماك بالظل واللباس والأكنان من شرها.
فإن قلت : فهذه الأشياء تقيني أيضا البرد، نقول : إياك أن تظن أن الدفء يأتيك من غطاء ثقيل أو ملابس شتوية، إنما الدفء من ذاتك أنت، فأنت تدفئ ( البطانية ) والفراش الذي تنام عليه، بدليل أنك ساعة تأتي فراشك لتنام تجده باردا، ثم بعد مرور ساعات الليل تجده في الصباح دافئا.
إذن : فحرارتك الذاتية انتقلت إلى الغطاء فأدفأته، وكل ما يؤديه الغطاء أنه يحفظ حرارة جسمك بداخله، فلا تتبدد في الهواء المحيط بك.
لذلك، لما درس العلماء مسألة حرارة جسم الإنسان وجدوا فيها مظهرا من مظاهر قدرة الله، فالإنسان تشع منه حرارة تكفي في أربع وعشرين ساعة لغلي سبعة لترا من الماء، ومعدل هذه الحرارة في الجسم ٣٧° ثابتة في قيظ الحر وبرد الشتاء، مما يدل على أن لجسمك ذاتية منفصلة تماما عن الجو المحيط بك.
ومن عجائب خلق الإنسان أن هذه الحرارة تتفاوت من عضو إلى عضو آخر، والجسم واحد، فأعضاء حرارتها ما بين ٧° ٩° كالأنف والأذن والعين، ولو زادت حرارة العين عن هذا المعدل تنفجر، أما الكبد فحرارته ٤٠°.. إلخ، ومعلوم أن الحرارة تحدث استطراقا في الجسم الواحد، وفي المكان الواحد.
ومن عجائب خلق الإنسان في هذه المسألة العرق الذي يتصبب منك في حالة تعرضك للحرارة الشديدة، فيخرج العرق من مسامّ الجسم، ليلطف من درجة حرارته، ويحدث عملية تبريد، كالتي نراها مثلا في موتور السيارة، حتى عندنا في الفلاحين تجد الفلاح من كثرة عمله في الأرض وكثرة عرقه تتكون على جسمه طبقة مثل الجير، وهذه أملاح تخرج مع العرق ؛ لذلك يكثر في هؤلاء الفلاحين أكل ( المش ) و( المخللات ) لتعويض نسبة الأملاح المفقودة مع العرق، إذن : فالحق سبحانه لم يقل ( والبرد )، لأن الدفء كما رأينا ذاتي.
وقوله تعالى : وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( ١٨ ) [ الأحزاب ] وهذه القلة مستثناة : إما من الإتيان، أو أنهم يأتون البأس، لكن قلة منهم يقاتلون بهمة ونشاط، والباقون أتوا ذرا للرماد في العيون كما يقولون ولئلا يتهموا بالتخلف عن رسول الله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي