سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ أي سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين، وهو منتصب على المصدر. قال الزجاج : بين الله في الذين ينافقون الأنبياء، ويرجفون بهم : أن يقتلوا حيثما ثقفوا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً أي تحويلاً وتغييراً، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال : كان رجل من المنافقين يتعرّض لنساء المؤمنين يؤذيهنّ، فإذا قيل له قال : كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زيّ الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلاّ إحدى عينيها ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ يقول : ذلك أحرى أن يعرفن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال : أمر الله نساء المؤمنات إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههنّ من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أمّ سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأن رؤوسهنّ الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، هكذا في الزوائد بلفظ من السكينة، وليس لها معنى، فإن المراد تشبيه الأكسية السود بالغربان، لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال : كأن على رؤوسهم الطير. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت يا أيها النبي قُل لأزواجك الآية. شققن مروطهن، فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهنّ الغربان. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : كانت الحرّة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين : أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب : أن تقنع وتشدّه على جبينها.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب في قوله : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون يعني المنافقين بأعيانهم والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ شك : يعني المنافقين أيضاً. وأخرج ابن سعد أيضاً عن عبيد بن جبير قال : الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة هم المنافقون جميعاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ قال : لنسلطنك عليهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني