قَوْله تَعَالَى: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى مَعْنَاهُ: لَا تُؤْذُوا مُحَمَّدًا فتكونوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى، وَفِيمَا أوذي بِهِ الرَّسُول قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم آذوه فِي أَمر زيد بن حَارِثَة ونكاحه زَيْنَب.
وَالثَّانِي: مَا روى أَنه قسم غنيمَة فَقَامَ رجل وَقَالَ: اعْدِلْ، فَإنَّك لم تعدل، فَقَالَ النَّبِي: " رحم الله مُوسَى؛ لقد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر ".
وَأما الَّذِي أوذي بِهِ مُوسَى فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا وَعَلِيهِ أَكثر أهل التَّفْسِير مَا روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " كَانَ مُوسَى رجلا حييا، وَكَانَ لَا يغْتَسل إِلَّا وَحده، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يغتسلون عُرَاة ينظر بَعضهم إِلَى (عَورَة
الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى فبرأه الله مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد الله وجيها (٦٩) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أَعمالكُم الْبَعْض)، فَقَالُوا: إِن مُوسَى لَا يغْتَسل إِلَّا وَحده؛ لِأَن بِهِ آفَة، وَقَالُوا: إِنَّه آدر، فاغتسل مُوسَى مرّة وَوضع ثَوْبه على حجر، فَعدا الْحجر بِثَوْبِهِ، فَأخذ مُوسَى الْعَصَا وَجعل يَقُول: ثوبي يَا حجر، ثوبي يَا حجر، حَتَّى مر على مَلأ من بني إِسْرَائِيل فنظروا إِلَيْهِ وَلم يرَوا بِهِ بَأْسا، وَقَامَ الْحجر فَطَفِقَ يضْربهُ بالعصا ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله: " وَكَأَنِّي بِالْحجرِ ندبا من أثر ضربه أَرْبعا أَو خمْسا ". وَالْخَبَر فِي الصَّحِيحَيْنِ ".
وَفِي الْخَبَر: " أَن الله تَعَالَى أنزل فِي هَذَا قَوْله [تَعَالَى] :يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى الْآيَة.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن الْحجر قَالَ لَهُ: يَا مُوسَى، لم تضربني، إِنَّمَا أَنا عبد مَأْمُور.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: مَا روى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: صعد هَارُون ومُوسَى الْجَبَل، فَمَاتَ هَارُون وَنزل مُوسَى وَحده، فَقَالَت لَهُ بَنو إِسْرَائِيل: أَنْت قتلت هَارُون، وَقد كَانَ أَلين جانبا مِنْك وَأحب إِلَيْنَا، فَبعث الله الْمَلَائِكَة حَتَّى حملُوا هَارُون مَيتا إِلَيْهِم، وَتَكَلَّمُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سمعُوا بني إِسْرَائِيل ذَلِك، ثمَّ إِن الْمَلَائِكَة حملُوا هَارُون ودفنوه فَلم يعرف أحد مَوضِع قَبره إِلَّا الرخم، فَجعله الله تَعَالَى أَصمّ أبكم.
وَقَوله: فبرأه الله مِمَّا قَالُوا أَي: طهره الله مِمَّا قَالُوا.
وَقَوله: وَكَانَ عِنْد الله وجيها أَي: بتكليمه إِيَّاه، والوجيه فِي اللُّغَة هُوَ ذُو الجاه.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم