الربع الأخير من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع بين كتاب الله لمن لا يزالون في شك من أمر النبوة أن الرسول الأعظم ليس بدعا من الرسل، وأن الرسالات الإلهية التي جاءوا بها كما تعنى بالشؤون الروحية للنوع الإنساني تعنى بشؤونه المادية المباشرة، بل تأخذ بيده فتسدد خطواته الأولى في نفس المجال التقني والصناعي، و( الآخرة ) التي دعا الرسل والأنبياء إلى الإيمان بها إنما هي المرحلة الأخيرة في مسيرة جهاد الإنسان المتواصل، من أجل صلاح الإنسان، وازدهار العمران، حيث يجني الإنسان ثمرة عمله، ويصل إلى تحقيق رجائه وأمله، إن وفى بما عاهد عليه الله في خلافته، ولم يتنكر لدينه وشريعته، إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا . ( ٧ : ١٨ ).
يقول الله تعالى هنا : ولقد -آتينا داوود منا فضلا ، وهذا الفضل الذي آتاه الله إياه يظهر بشكل بارز في عدة مظاهر روحية ومادية :
المظهر الأول : تسبيح الجبال معه عندما يتلو( الزبور ) الذي أنزله الله عليه، وإصغاء الطير أثناء تلاوته إليه، فالجبال تردد صدى صوته القوي العظيم، فيشترك في تمجيد الله في آن واحد الجماد والحيوان والإنسان، وتبرز من خلال تمجيد الله وتوحيده وحدة الأكوان، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( ٤٤ : ١٧ )، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى وهو ينادي الجبال لتسبح الله مع نبيه داوود : يا جبال أوبي معه والطير ، وسيأتي في سورة ( ص ) قوله تعالى في شأن داوود عليه السلام ( ١٨ ) : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وهو يقرأ في الليل، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال :( لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود )، فأجابه أبو موسى قائلا :( لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ) والثوب ( المحبر )هو المخطط بالألوان، أي : لجعلته لك أنواعا حسانا. قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) تعليقا على نفس الحديث في سياق كلامه على هذه الآية :( فيه دليل على الإعجاب بحسن الصوت، والقلوب تخشع بالصوت الحسن كما تخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى أعظم في الأجر، والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى، وزيادة في الخلق ومنة، وأحق ما لبس هذه الحلة النفسية والموهبة الكريمة كتاب الله، فنعم الله إذا صرفت في الطاعة قضي بها حق النعمة ).
المظهر الثاني من مظاهر الفضل الذي آتاه الله داوود : تمكينه من استعمال معدن الحديد فيما تتوقف عليه سلامة الدولة، وإطلاعه على سر صناعته، وتطويعه في يده، حتى عاد كالطين المبلول والعجين والشمع. وللحديد أهمية خاصة في حياة الشعوب والدول نبه إليها كتاب الله فيما سيأتي من سورة الحديد، إذ قال تعالى ( ٢٥ ) : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا : وألنا له الحديد( ١٠ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري