ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

٥- وإن في هذا المذكور من قدرة الله الباهرة لدلالة ظاهرة لكل عبد تائب رجّاع إلى الله بقلبه على قدرة الله تعالى على البعث ووقوع المعاد. وخصّ المنيب بالذكر لأنه المنتفع بالتفكر في حجج الله وآياته.
نعم الله على داود عليه السلام
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٠ الى ١١]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)
الإعراب:
وَالطَّيْرَ إما منصوب بالعطف على موضع المنادي وهو النصب في قوله: يا جِبالُ أو على أنه مفعول معه، أي مع الطير، أو بفعل مقدر، أي وسخرنا له الطير، ودلّ عليه قوله تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا. ويقرأ بالرفع وَالطَّيْرَ عطفا على لفظ يا جِبالُ أو عطفا على الضمير المرفوع في أَوِّبِي وحسن ذلك لوجود الفصل ب مَعَهُ والفصل يقوم مقام التوكيد. والقراءة بالنصب أقوى في القياس من الرفع.
أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ أَنِ: إما مفسرة بمعنى (أي) أو في موضع نصب بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: لأن أعمل. وسابِغاتٍ: أي دروعا سابغات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
البلاغة:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا تنكير فَضْلًا للتفخيم، أي فضلا عظيما. وتقديم داود على المفعول اهتمام بالمقدم وتشويق إلى المؤخر.
المفردات اللغوية:
فَضْلًا هو النبوة والملك والجنود وكتاب الزبور والصوت الحسن. أَوِّبِي مَعَهُ رجّعي وردّدي معه التسبيح، والتأويب: التسبيح. وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ جعلناه في يده كالعجين

صفحة رقم 147

أو الشمع يصرّفه من غير نار ولا طرق. أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ أي وقلنا له اعمل دروعا كوامل تامة، وهو أول من اتخذها. وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي اجعل النسج متناسبا في الحلق على قدر الحاجة غير مختلفة. وقَدِّرْ: اقتصد، والسَّرْدِ: النسج، يقال لصانع الدروع: سرّاد وزرّاد. وَاعْمَلُوا صالِحاً يعود الضمير لداود وأهله أي آل داود. إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ مطلع على كل أعمالكم، فأجازيكم عليها.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى من ينيب من عباده، ذكر نماذج ممن أنابوا إلى ربّهم ومنهم داود عليه السلام، وبيّن ما آتاه الله على إنابته، من النبوة والملك والجنود والزبور والصوت الحسن، فكانت الجبال والطيور إذا سبّح تسبّح معه، وعلّمه تعالى صناعة الدروع الحربية للوقاية من الضربات في الحروب.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ يخبر تعالى عما أنعم به على رسوله داود عليه السلام مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك العظيم المتمكن والجنود، ومنحه من الصوت الرخيم القوي المؤثر، الذي كان إذا سبّح سبّحت معه الجبال الراسيات، والطيور السارحات: الغاديات الرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.
والمعنى: لقد أعطينا داود فضلا عظيما ونعما جليلة، فقلنا للجبال والطير:
رددي معه التسبيح إذا سبّح.
جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، يقرأ من الليل فوقف، فاستمع لقراءته، ثم قال صلّى الله عليه وسلّم: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود».

صفحة رقم 148

وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي جعلنا الحديد في يده لينا يصنع به ما يشاء، من غير حاجة إلى نار ولا مطرقة، بل كان يفتله في يده مثل الخيوط، ليعمل به الدروع الكاملات الواسعات التي تقي من ويلات الحروب، وعلمه كيفية نسج الدروع بحيث تكون متناسبة الحلق، وعلى قدر الحاجة، فلا هي صغيرة ضيقة لا تحقق الهدف، ولا كبيرة ثقيلة على لابسها، فيعجز عن لبسها. ولا شك أن إلانة الحديد من غير نار ولا طرق معجزة لنبي الله داود، لا تنطبق على غيره. وكان داود عليه السلام أول من صنع الدروع، قال قتادة رحمه الله: «كانت الدروع قبله صفائح ثقالا» فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدّر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة.
وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي اعملوا يا آل داود عملا صالحا فيما أعطاكم الله تعالى من النعم فإني مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليّ شيء منها. وقوله: إِنِّي بِما.. تعليل للأمر.
وهذا تحريض على إصلاح العمل لشكر النعمة، والعمل الصالح يقوّم النفوس، ويصقل الروح، ويحصنها من المزالق والانحرافات.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- لقد منح الله تعالى عبده المنيب ورسوله داود عليه السلام فضلا عظيما، فضّله به على سائر الأنبياء من قبله، من الجمع بين النبوة والملك والزبور والعلم والجنود وتسبيح الجبال والطيور مع تسبيحه، قال تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ [ص ٣٨/ ١٨].

صفحة رقم 149

قال أبو ميسرة في تفسير التأويب: هو التسبيح بلغة الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبّح، معجزة لداود عليه السلام.
وقيل: المعنى: سيري معه حيث شاء من التأويب الذي هو سير النهار أجمع، والنزول ليلا.
وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف فيه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوّتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير.
٢- ومن فضائل الله على داود ومعجزاته: إلانة الحديد بيده، حيث يصير كالعجين أو الشمع من غير نار ولا مطرقة.
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على مشروعية تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان.
وفي الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده».
٣- علّم الله تعالى داود عليه السلام صناعة الدروع السابغات، أي الكوامل التامات الواسعات، المحكمة الحلق المتناسبة فيما بينها، ليست بالصغيرة فلا تحقق الغرض منها وهو الدفاع، ولا بالكبيرة التي تثقل كاهل لابسها.
٤- لم يستثن الله نبيا ولا رسولا من إلزامه بالعمل الصالح، لذا أعقب بيان نعمه وأفضاله على داود بأمره مع أهله بصالح العمل وهو فعل الأوامر وترك النواهي، كما قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ ٣٤/ ١٣]. وعلل الترغيب بالعمل الصالح بأنه تعالى بصير بأعمال عباده وأقوالهم، لا يغيب عنه شيء، فيجازيهم عليها.

صفحة رقم 150

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية