( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير١٢ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور( ( سبأ : ١٢-١٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما من به على داود من النبوة والملك- أردف ذلك ذكر ما تفضل به على ابنه سليمان من تسخير الريح، فتجري من الغداة إلى منتصف النهار مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر، وإذابة النحاس على نحو ما كان لداود من إلانة الحديد وتسخير الجن عملة بين يديه يعملون له شتى المصنوعات من قصور شامخات وصور من نحاس وجفان كبيرة كالأحواض وقدور لا تتحرك لعظمها.
إذ كل منهما أناب إلى ربه، وجال بفكره في ملكوت السماوات والأرض، وكان من المؤمنين المخبتين الذين هم على ربهم يتوكلون.
تفسير المفردات :
والمحاريب واحدها محراب : وهو كل موضع مرتفع قال الشاعر :
| وماذا عليه أن ذكرت أوانسا | كغزلان رمل في محاريب أقيال |
الإيضاح :
( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات( أي يعملون له ما يشاء من القصور الشامخة، والصور المختلفة، من النحاس والزجاج والرخام ونحوها، والجفان الكبيرة التي تكفي لعشرات الناس، قال الأعشى يمدح آل جفنة من الغساسنة بالشام :
| نفى الذم عن آل المحلق جفنة | كجابية الشيخ العراقي تفهق |
( اعملوا آل داود شكرا( أي وقلنا لهم : اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرا له على نعمه التي أنعمها عليكم في الدين والدنيا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال :" ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود "، فقلنا : ما هن ؟ فقال :" العدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية " أخرجه الترمذي.
والشكر كما يكون بالفعل يكون بالقول ويكون بالنية كما قال :
| أفادتكم النعماء مني ثلاثة | يدي ولساني والضمير المحجبا |
( وقليل من عبادي الشكور( أي وقليل من عبادي من يطيعني شكرا لنعمتي، فيصرف ما أنعمت به عليه فيما يرضيني، وقد قيل : الشكور من يرى عجزه عن الشكر.
ونحو الآية قوله :( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم( ( ص : ٢٤ ).
وعن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه، فقلت له : أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال :( أفلا أكون عبدا شكورا( أخرجه مسلم في صحيحه.
تفسير المراغي
المراغي