ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢:وانتقل كتاب الله إلى الحديث عما امتن به على سليمان بن داوود من فضل أشمل وأعظم، هذا الفضل يتجلى في عدة مظاهر :
المظهر الأول : تسخير الريح له في زمان محدود ومكان محدود، وجعلها أداة سريعة في يده ويد أعوانه، للقيام بأسرع ما يمكن من التنقلات والمواصلات، بحيث يكون من المستطاع قطع مسافة شهر في الغدو ومسافة شهر في الرواح، أي قطع مسافة شهرين في يوم واحد، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ، على غرار قوله تعالى فيما سبق في سورة الأنبياء ( ٨١ ) : ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، وكنا بكل شيء عالمين ، وقوله تعالى فيما سيأتي من سورة ( ص : ٣٦ ) : فسخرنا له الرياح تجري بأمره رخاء حيث أصاب .
والمظهر الثاني : تمكينه من استعمال معدن النحاس، وتعريفه بالطريقة التقنية المثلى لتذويبه وإسالته، وإرشاده إلى استعماله في صنع ما يلزم من آلات وأدوات، للنفع الخاص والنفع العام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : وأسلنا له عين القطر أي : معدن النحاس، وقوله تعالى في نفس السياق : يعملون له ما يشاء من محاريب، وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ، و( المحاريب ) جمع ( محراب )، وهذا اللفظ يطلق على كل بناء مرتفع ممتنع، وعلى أشرف بيوت الدار، كما يطلق على المكان الذي يصلي فيه الإمام، لأنه يجب أن يرفع ويعظم، وهو أرفع مكان في المسجد، و( التماثيل ) جمع ( تمثال )، وهو اسم للشيء المصنوع باليد، الممثل بغيره أي المشبه به من إنسان أو حيوان أو غيرهما، ( والجفان ) جمع ( جفنة ) وهي القصعة الكبيرة، وشبهت في هذه الآية ( بالجوابي ) جمع ( جابية )، لاتساعها وكبرها، ومعنى ( الجابية ) الحوض العظيم الذي يجمع فيه الماء، ( والقدور الراسيات ) هي القدور الثوابت التي لا تحمل ولا تحرك لعظمها، ومنها يغرف الطعام في الجفان. قال ابن العربي :( ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعا، ويأكلون جميعا، من غير استئثار أحد منهم على أحد ).
وتعليقا على كلمة ( تماثيل ) الواردة في هذه الآية وما تفيده من إباحة التصوير على عهد سليمان قال ( ابن العربي ) ما نصه :( ورد على ألسنة أهل الكتاب أنه كان أمرا مأذونا فيه، والذي أوجب النهي عنه في شرعنا - والله أعلم- ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب ).
ومن لطائف التفسير ما نبه إليه الرازي أثناء تفسيره لهذه الآيات من أن ( كتاب الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داوود، وثلاثة أشياء في حق سليمان عليهما السلام، فتسخير الجبال لداوود هو من جنس تسخير الريح لسليمان، وتسخير الطير للأول هو من جنس تسخير الجن للثاني، إذ الشأن في الطير النفور من الإنس، والشأن في الإنس النفور من الجن، ومع ذلك صار الطير لا ينفر من داوود، بل يستأنس به ويطلبه، وأصبح سليمان لا ينفر من الجن، بل يسخره ويستخدمه، وأما القطر، أي : النحاس والحديد فتجانسهما غير خفي ) وذكر كتاب الله في حق داوود اشتغاله بآلة الحرب، بينما ذكر في حق سليمان اشتغاله بمهام السلم ؛ لأن ملكه كان موطدا من عهد أبيه.
ثم أننا نجد كتاب الله يدرج في سياق التنويه بفضل الله على نبيه سليمان عليه السلام آيات يدور الحديث فيها حول نوع ( الجن ) الذي يقابل نوع ( الأنس )، والمراد بهم نوع خفي من الكائنات يعمر الكون علاوة على الإنسان، وهو خاضع مثله للتكليف في الدنيا والجزاء في الآخرة، حسبما تدل عليه عدة آيات في سورة الأنعام وسورة الأعراف وسورة فصلت وسورة الذاريات وسورة الرحمان وسورة الجن، غير أن كتاب الله لم يفصل القول في هذا النوع الخفي من الأحياء، واقتصرت على بيان، أن الله خلقه من نار، وترك تفاصيل أمره مستورة ومحجوبة عن الأنظار، والجان خلقناه من قبل من نار السموم ( ٢٧ : ١٥ )، وخلق الجان من مارج من نار ( ١٥ : ٥٥ ).
ونظرا إلى أن بعض الأغرار من البشر تكونت عندهم فكرة غامضة وسخيفة عن الجن من نسج الخيال، وأخذوا يعبدونهم، ظنا منهم أنهم يتصرفون في الكون ويعلمون الغيب، واستمر اعتقادهم الباطل، يتناقله جيل عن جيل، إلى حين ظهور الإسلام، فقد تصدى كتاب الله في سياق الحديث عن سليمان لإبطال هذا الاعتقاد الفاسد، مبينا أن الجن ليسوا إلا عبارة عن كائنات خفية، خاضعة لأمر الله، ومسؤولة عما كلفت به أمام الله، فليس للجن في الكون أمر ولا نهي، ولا سطوة ولا تأثير، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى واصفا تسخير سليمان لهم أثناء حياته : ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير( ١٢ ) ، على غرار قوله تعالى فيما سبق من سورة الأنبياء ( ٨٢ ) : ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك ، وقوله فيما سيأتي من سورة ( ص : ٣٨-٣٧ )، والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد .



وتنويها بداود وآله قال تعالى في نفس المقام : واعملوا صالحا، إني بما تعملون بصير ، إشارة إلى أن الله تعالى يرعى عمل الصالحين من عباده بعين رعايته، ما داموا لا يفترون في عملهم عن خشية الله ومراقبته. وقال تعالى : ا عملوا آل داوود، شكرا ، إشارة إلى أن شكر الله على نعمه متى كان محور الحركات والسكنات، والدافع الأول إلى ما يقوم به العبد من صالح الأعمال وجميل الحسنات، أثمر لصاحبه في الدنيا والآخرة أطيب الثمرات. قال الزمخشري :( فيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدى على طريق الشكر )، وقال أبو بكر ( ابن العربي ) ( حقيقة الشكر ) استعمال النعمة في الطاعة، والكفر استعمالها في المعصية ).
وقد نوه كتاب الله بشكر سليمان في غير ما آية، كقوله تعالى في سورة النمل ( ١٩ ) : فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن اعمل صالحا ترضاه ، وقوله تعالى في نفس السورة حكاية عن سليمان وقد رأى عرش ملكة سبأ بين يديه ( ٤٠ ) : فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم .
وقوله تعالى : وقليل من عبادي الشكور( ١٣ ) }، إشارة إلى أن أكثر من يتقلبون في نعم الله الظاهرة والباطنة لا يؤدون حق شكرها، بل هم في غفلة ساهون، حتى إذا ذهبت النعمة، وحلت النقمة، أفاقوا من غفلتهم، وندموا على سكرتهم، ولات حين مندم، لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( ٧ : ١٤ ) و( الشكور )، هو المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، الذي يشغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقادا واعترافا وكدحا، حسبما عرفه جار الله الزمخشري، ومن شاء أن يكون من عباد الله الصالحين فليكن من هذا الفوج القليل.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير