قَوْله تَعَالَى: فَقَالُوا رَبنَا باعد بَين أسفارنا وَقُرِئَ: " بعد بَين أسفارنا " بِغَيْر ألف، وَقَرَأَ يحيى بن يعمر: " رَبنَا باعد بَين أسفارنا " بِنصب الْعين وَالدَّال، فعلى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة معنى الْآيَة سُؤال، وعَلى الْقِرَاءَة الشاذة معنى الْآيَة على وَجه الْخَبَر. قَالَ مُجَاهِد: بطروا النِّعْمَة وسأموا الرَّاحَة. وَمثله عَن ابْن عَبَّاس فَقَالُوا: [رَبنَا] بعد بَين الْقرى لنركب الرَّوَاحِل، ونحمل الأزواد فِي الفلوات، وَهَذَا مثل قَول بني إِسْرَائِيل: وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد الْآيَة. وَأما الْقِرَاءَة الشاذة فكأنهم استبعدوا الْقَرِيب على مَا يَفْعَله الجهلة.
وَقَوله: وظلموا أنفسهم أَي: بترك الشُّكْر.
أَحَادِيث ومزقناهم كل ممزق إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور (١٩) وَلَقَد صدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنّه فَاتَّبعُوهُ إِلَّا فريقا من الْمُؤمنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم من سُلْطَان إِلَّا
وَقَوله: فجعلناهم أَحَادِيث ومزقناهم كل ممزق أَي: أَحَادِيث فِي الْقُرُون الَّتِي تَأتي، وفرقناهم وبددناهم كل مفرق ومبدد. قَالَ الشّعبِيّ: تفَرقُوا فِي الْبِلَاد لما غرقت قراهم وَهَلَكت جناتهم، فَمر الأزد إِلَى عمان، وخزاعة إِلَى تهَامَة، وغسان إِلَى الشَّام، وَآل (خُزَيْمَة) إِلَى الْعرَاق، والأوس والخزرج إِلَى يثرب. وَكَانَ الَّذِي قدم الْمَدِينَة مِنْهُم عَمْرو بن عَامر وَهُوَ جد الْأَوْس والخزرج.
وَفِي بعض التفاسير: أَن قراهم كَانَت [أَربع] آلَاف وَسَبْعمائة قَرْيَة، وَكَانَت مُتَّصِلَة من سبأ إِلَى الشَّام قَرْيَة قَرْيَة. وَعَن بَعضهم فِي معنى قَوْله: فجعلناهم أَحَادِيث أَن النَّاس يضْربُونَ بهم الْمثل فِي التمزق والتفرق، وَالْعرب تَقول: صَارَت بَنو فلَان أَيدي سبأ وأيادي سبأ إِذا تفَرقُوا وتبددوا. وَأنْشد الْأَزْهَرِي:
| (غيبا نرى النَّاس إِلَيْهِ تنسبا | من صادر أَو وَارِد أَيدي سبا) |
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم