ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

ولا تنفع الشفاعة عنده لأحد إلا لمن أذن له أن يشفع أو أذن أن يشفع له واللام على الأول كما في قولك الكرم له وعلى الثاني كما في قولك جئتك لزيد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي أذن بضم الهمزة على صيغة المجهول والباقون بفتحها على صيغة المعروف وهذا رد لما قالت الكفار على سبيل التنزل أنه سلمنا أن الملائكة والأصنام لا يملكون شيئا وليسوا شركاء الله لكنهم يشفعون لنا عند الله فقال الله تعالى لا تنفع شفاعة أحد لأحد إلا لمن أذن له والأصنام ليسوا أهلا لأن يؤذن الشفاعة لانحطاط رتبتها عنها والكفار لا يستحقون لأن يؤذن لأحد في شفاعتهم لطغيانهم وكفرهم ولا يؤذن للأنبياء والملائكة إلا لشفاعة المؤمنين.
حتى إذا فرغ عن قلوبهم قرأ ابن عامر ويعقوب فزع بفتح الفاء والزاء على البناء للفاعل والضمير المستكن عائد إلى الله والباقون بضم الفاء وكسر الزاء على البناء للمفعول والجار مع المجرور قائم مقام الفاعل والتفزيع إزالة الفرع كالتمريض إزالة المرض والضمير في قلوبهم راجع إلى الشافعين والمشفوع لهم المفهومين مما سبق وحتى غاية للجملة المقدرة المفهومة مما سبق أعني قوله تعالى : لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فإنه يفهم منه أن الشفعاء المشفوع لهم ينتظرون الإذن للشفاعة فزعين خائفين احتمال عدم الإذن أو فزعين من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل هيبة وجلالا حين يأذن لهم في الشفاعة قلت وكذلك يأخذ هو الغشية كلما قضى الله أمرا روى البخاري عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير فسمعها مسترقوا السمع ومسترقوا السمع هكذا بعضهم فوق بعض ( ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدر بين أصابعه ) فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معه مئة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " ١ وروى مسلم عن ابن عباس عن رجل من الأنصار أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث " ربنا تبارك اسمه إذا قضي أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذا السماء الدنيا ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ما قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا حتى يبلغ هذه السماء الدنيا فيخطف الجن السمع فيقذفون على أوليائهم فيرمون فما جاؤا به على وجهه فهو حق لكنهم يقذفون ويزيدون " ٢ وروى البغوي عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبرئيل فيكلم الله وحيه بما أراد ثم يمر جبرئيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرئيل فيقول جبرئيل قال الحق وهو العلي الكبير قال فيقولون كلهم مثل ما قال جبرئيل فينتهي جبرئيل باوحي حيث أمر الله " والظرف يعني إذا فزع عن قلوبهم متعلق بقوله قالوا يعني قال بعضهم لبعض حين ينكشف عنهم الفزع اللاحق بهم بالإذن في الشفاعة ماذا قال ربكم في الشفاعة قالوا أي بعضهم لبعض الحق مقول لقال المقدر يعني قال ربنا الحق وهو الإذن في الشفاعة التي هو الحق يعني لمن هو أهلها وهو المؤمنون وهو العلي الكبير أي ذو العلو والكبرياء لا يستطيع ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يتكلم فيه إلا بإذنه.
قال البغوي قال بعضهم إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة قال مقاتل والكلبي والسدي كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم خمس مائة وخمسين سنة وقيل ست مئة سنة لم يسمع الملائكة فيها وحيا فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وسمع الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمدا صلى الله عليه وسلم عند أهل السماوات من أشراط الساعة فيصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة فلما أنحذر جبرئيل يعني في بدء الوحي جعل يمر بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرتفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق يعنون الوحي وهو العلي الكبير فإن قيل على ما قال مقاتل وأمثاله كيف يرتبط قوله تعالى : حتى إذا فزع عن قلوبهم بما سبق من الكلام ؟ قلت لعل وجه ارتباطه أنه متصل بقوله تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد والمراد بالذين أوتوا العلم الملائكة وما بينهما اعتراض والمعنى ويرى الملائكة ما أنزل إليك من ربك من القرآن هو الحق ولذلك افزعوا عند نزوله خوفا من قيام الساعة حيث كان نزوله عندهم من أشراط الساعة حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وقال جماعة الموصوفون بذلك المشركون قال الحسن وابن زيد قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم على لسان رسله في الدنيا قالوا الحق فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار قلت : وعلى هذا التأويل هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى : هو منها في شك يعني هم في شك إلى الموت حتى إذا فزع عن قلوبهم بعد الموت أقروا حين لا ينفعهم الإقرار.

١ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: قوله: إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (٤٧٠١)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: السلام باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان (٢٢٢٩)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير