ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

قوله :«أَرْوني » فيها وجهان :
أحدهما : أنها علمية متعدية قبل النقل إلى اثنين فلما جيء بهمزة النقل تعدت لثلاثةٍ أولها «ياء » المتكلم ثانيها «الموصول »، ثالثها :«شركاء » وعائد الموصول محذوف أي أَلْحَقْتُمُوهُمْ.
والثاني : أنها بصرية متعدية قبل النقل لواحد وبعده لاثنين أولهما : يَاء المتكلم وثانيهما : الموصول و «شركاء » نصب على الحال من عائد الموصول أي بَصِّرُوني المُلْحَقِينَ به حالَ كونهم شركاء١. قال ابن عطية في هذا الثاني «ولا غناء »٢ له أي لا مَنْفَعَة فيه يعني أن معناه ضعيف٣. قال أبو حيان : وقوله :«لا غناء له » ليس بجيد بل في ذلك تبكيت لهم وتوبيخ ولا يريد حقيقة التنزيل٤ بل المعنى الذين هم شركاء لله على زعمكم هم ممن إن أريتموهم افتضحتم لأنه خشب وحجر وغير ذلك٥.

فصل


الضمير في «به » أي بالله أي أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون ؟ كلاّ لا يَخْلُقُون ولا يرزقون٦.
قوله :«بل هو الله » في هذا الضمير قولان :
أحدهما : أنه ضمير عائد على الله تعالى أي ذلك الذي ألحقتم به شركاء هُو الله، و «الْعَزِيزُ الحَكِيمُ » صفتان.
والثاني : أنه ضمير الأمر والشأن و «اللَّهُ » مبتدأ، و «الْعَزِيزُ والْحَكِيمُ » خبران، والجملة. . . خبر٧ «هو » والعزيز هو الغالب على أمره، ( و ) الحكيمُ في تدبيره لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه ؟
قوله :«كافَّةً » فيه أوجه :
أحدها : أنه حال من كاف٨ «أَرْسَلْنَاكَ » والمعنى إلا جامعاً للناس في الإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع والهادي لله٩ للمبالغة كَهي في «علاَّمَة » و «رَاوِيَة »١٠ قال الزجاج : وهذا بناء منه على أنه اسم فاعل من كَفَّ يَكُفُّ١١، قال أبو حيان : أما قول الزجاج إنّ كافة بمعنى جامعاً، والهاء فيه للمبالغة فإن اللغة لا تساعده على ذلك لأن كف ليس معناه محفوظاً بمعنى «جَمَعَ ». يعني أنَّ المحفوظ معناه «مَنَعَ » يقال : كَفّ يكُفُّ أي منع والمعنى إلا مانعاً لهم من الكفر وأن يشِذّوا من تبليغك، ومنه الكف لأنها تَمْنَعُ مَا فِيهِ١٢.
الثاني : أن كافة مصدر جاءت على الفَاعِلَةِ كالعَاقِبَة والعافية وعلى هذا فوقوعها حالاً إما على المبالغة وإما على حذف مضاف أي ذَا كَافَّةٍ لِلنَّاسِ١٣.
الثالث : أن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره : إلا إرْسَالَةً كَافَّةً قال الزمخشري : إلاَّ إرْسَالَة عامَّةً لهم محيط بهم لأنها إذا شَمِلتْهُمْ فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم١٤. قال أبو حيان : أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضاً استعمالها صفةً لموصوفٍ محذوفٍ١٥.
الرابع : أن «كافة » حال من «لِلنَّاس » أي للناس كافةً إلا أنّ هذا قدره الزمخشري فقال :«وَمَنْ جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار وكم ترى من يرتكب مثل هذا الخطأ ثم لا يَقَْنَعُ به حتى يضُمَّ إليه أن يجعل اللام بمعنى «إلَى » ؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني فيرتكب١٦ الخطأين معاً »١٧. قال أبو حيان : أما قوله كذا١٨ فهو مختلف فيه ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز، وذهب أبو علي١٩ وابن كَيْسَانَ٢٠ وابن بَرْهَانَ٢١ وابن مَلْكُون٢٢ إلى جَوَازِهِ قال : وهو الصحيح٢٣ قال : ومن أمثله أبي علي :«زيدٌ خَيْراً مَا يكونُ خَيْرٌ مِنْكَ » التقدير : زيد خير منك خَيْراً ما يكون فجعل «خَيْراً ما يَكُونُ » حالاً من الكاف في «منك » وقدمها عليها وأنشد :
٤١٣٤- إذَا الْمَرْءُ أَعَيَتْهُ المُرُوءَةُ نَاشِئاً. . . فَمَطْلَبُها كَهْلاً عَلَيْهِ شَدِيدُ٢٤
أي فمطلبها عليه كهلاً، وأنشد أيضاً :
٤١٣٥- تَسَلَّيْتُ طُراً عَنْكُمُ بُعْدَ بَيْنِكُمْ. . . بِذِكْرَاكُمْ حَتَّى كَأنَّكُمْ عِنْدِي٢٥
أي عَنْكُمْ طُرًّا، وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور على ما يتعلق به قال الشاعر :
٤١٣٦- مَشْغُوفَةً بِكَ قَدْ شُغِفْتُ وإنَّمَا. . . حُمَّ الفِرَاقُ فَمَا إلَيْكَ سَبِيلُ٢٦
أي قد شغفت بك مشغوفة وقال الآخر :
٤١٣٧- غَافِلاً تَعْرِضُ المِنَيَّةُ لِلْمَرْءِ. . . فَيُدْعَى وَلاتَ حِينَ إباءِ٢٧
أي تَعْرِضُ المنيةُ للمرء غافلاً قال : وإذا جاز تقديمها٢٨ على صاحبها وعلى العامل فيه فتقديمها على صاحبها وحده أجْوَز٢٩ قال : وممن حمله٣٠ على الحال ابن عطية فإنه قال : قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله إلى العرب وللعجم ولسائر الأمم وتقديره إلى الناس كافةً٣١. وقول الزمخشري : لا يستوي له الخطأ الأول إلى آخره شنيع لأن القائل بذلك لا يحتاج إلى جعل اللام بمعنى «إلى » لأن «أَرْسَلَ » يتعدى باللام قال تعالى : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً [ النساء : ٧٩ ] وأرسل مما يتعدى باللام وبإلى وأيضاً فقد جاءت اللام بمعنى «إلَى » و «إلَى » بمعناها٣٢.
قال شهاب الدين : أما أرسلناك للناس فلا دلالة فيه لاحتمال أن تكون اللام لام المجازيَّة وأما كونها بمعنى «إلى » والعكس فالبصريونَ٣٣ لا يَتَجَوَّزُونَ٣٤ في الحروف، و «بَشِيراً » و «نَذِيراً » حالان أيضاً.
١ هذا قول أبي حيان في البحر ٧/٢٨٠ والشهاب السمين في الدر ٤/٤٤٠ ومعنى كلام القرطبي في الجامع ١٤/٣٠٠ قال: "يكون أروني هنا من رؤية القلب فيكون "شركاء" المفعول الثالث أي عرفوني الأصنام التي جعلتموها شركاء لله عز وجل وهل شاركت في خلق شيء فبينوا ما هو؟ وإلا فلم تعبدونها؟ ويجوز أن تكون من رؤية البصر فيكون "شركاء" حالا"..
٢ في "ب" ولا غنى قصر وكلتاهما صحيحتان..
٣ بحر أي حيان المرجع السابق..
٤ في البحر "الأمر" لا التنزيل..
٥ البحر المرجع السابق..
٦ القرطبي ١٤/٣٠٠..
٧ هذا معنى عبارة الزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٠ قال: "كأنه قال أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات وهو راجع إلى الله وحده أو ضمير الشأن"..
٨ قاله في المشكل ٢/٢٠٩ والبيان ٢/٢٨٠ والمعاني للفراء ٢/٣٦٢ والتبيان ١٠٦٩..
٩ القرطبي ١٤/٣٠٠ والبيان ٢/٢٨٠ والتبيان ١٠٦٩..
١٠ المراجع السابقة..
١١ هذا معنى كلامه في إعراب القرآن له قال: "معنى كافة الإحاطة في اللغة والمعنى أرسلناك للناس جامعا في الإنذار والإبلاغ"..
١٢ تكاد التفاسير تجمع على أن كافة بمعنى تمامه فقد قال بذلك ابن قتيبة في الغريب ٣٥٧، والزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٠، وأبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/١٤٩ والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٤/٣٠٠ وزاد المسير لابن الجوزي ٦/٥٤٦ والخازن والبغوي ٥/٢٩١ و ٢٩٢ والفخر الرازي في تفسيره ٢٥/٢٥٨..
١٣ البحر المحيط ٧/٢٨١..
١٤ قاله في الكساف ٣/٢٩٠..
١٥ قال ذلك في البحر المحيط ٧/٢٨١..
١٦ في الكشاف :"فلا بد له من ارتكاب الخطأين"..
١٧ انظر: الكشاف ٣/٢٩٠..
١٨ قاله في البحر المحيط ٧/٢٨١..
١٩ هو الفارسي..
٢٠ هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان كان يحفظ أقوال البصريين والكوفيين فقد أخذ عن ثعلب والمبرد له مصنفات في النحو منها المهذب، والمختار في علل النحو، مات سنة ٢٩٩ هـ انظر: إنباه الرواة ٣/٥٧-٥٩ ونزهة الألباء ١٦١..
٢١ أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري نظر في النحو واشتهر فيه وله آراء منثورة في كتب النحو مات سنة ٤٥٦ هـ. انظر: المرجع السابق إنباه الرواة ٢/١١٣-٢١٥ وانظر: بغية الوعاة للسيوطي ٢/١٢٠..
٢٢ ترجم له سابقا..
٢٣ قال السيوطي في الهمع: "فقد قال بالجواز مطلقا الفارسي وابن كيسان وابن برهان وصححه ابن مالك" الهمع ١/٢٤١..
٢٤ من الطويل وهو للمخبل السعدي. وشاهده: "كهلا عليه" حيث قدم الحال على صاحبها المجرور بحرف وهناك حال آخر وهو "ناشئا" ولا شاهد فيه، انظر: الأشموني ٢/١٧٨ والدر المصون ٤/٤٤٢ والبحر المحيط ٧/٢٨١ وشرح رضي الدين على كافية ابن الحاجب ١/٢٠٧ وفتح القدير برواية "السيادة" بدل "المروءة" ٤/٣٢٧ ومجمع البيان ٧/٧٩١ وعيون الأخبار لابن قتيبة ١/٢٤٧، وشرح ديوان الحماسة ١١٤٨..
٢٥ من الطويل كسابقه ولكنه في تلك المرة مجهول وشاهده كسابقه أيضا حيث تقدم الحال على صاحبه المجرور بالحرف "طرا عنكم" ومعنى "طرا" : جميعا والبين الفراق. انظر: الأشموني على ابن مالك ٢/١٧٧، والدر ٤/٤٤٢، والبحر ٧/٢٨١ والتصريح ١/٣٧٩ وشرح ابن الناظم ١٢٩ وفتح القدير للشوكاني ٤/٣٢٧..
٢٦ من تمام الكامل مجهول القائل وشغفه الحب شغافة وهو غلاف القلب ويجوز "شعفه" بالعين من شعفه أي أحرقه وقيل: أمرضه وحم: قدر. والفاء للتعليل و "ما" نفي. والشاهد: مشغوفة بك حيث وقع حالا مقدما من المجرور وهو الكاف مجرور محلا، وقدم الحال على "بك" وما تعلق به الجار وهو "شغفت"، وانظر: الأشموني ٢/١٧٧ وشرح ابن الناظم ١٢٩ والبحر المحيط ٧/٢٧١ والدر المصون ٤/٤٤٢..
٢٧ من الخفيف مجهول القائل وشاهده كما قبله "غافلا تعرض المنية للمرء" حيث قدم الحال على صاحبه المجرور "للمرء" وما تعلق به الجار وهو "تعرض و "لات" بمعنى ليس واسمها محذوف والخبر هو "حين إباء" أي وليس الحين إباء "أي امتناع" وقد تقدم..
٢٨ البحر المرجع السابق..
٢٩ كذا هي في البحر وما في "ب" أجود..
٣٠ المرجع السابق..
٣١ المرجع السابق..
٣٢ البحر المحيط مع تصرف ببعض كلماته..
٣٣ كذا هي في الدر المصون ٤/٤٤٣..
٣٤ في (ب) لا يجوزون. وقد قال أبو البقاء في التبيان: "وذاك أن اللام على هذا تكون بمعنى إلى إذ المعنى أرسلناك إلى الناس، ويجوز أن يكون التقدير: من أجل الناس" التبيان ١٠٦٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية