قولهم لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا الْقُرْآنِ.. يدل على لجلجتهم، ففي موضع آخر حكى القرآن عنهم قولهم:
لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] ومعنى هذا أن القرآن لا غُبارَ عليه ولا اعتراضَ، الاعتراض على مَنْ نزل عليه القرآن، كذلك من الغباء قولهم:
إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ.. [القصص: ٥٧] فاعترفوا أنه جاء بالهدى.
ومثله قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ.. [المنافقون: ٧].
صحيح، الباطل لجلج، يتخبط هنا وهناك في تفكير مُشوّش ليس له سِيال واحد، وهذا التخبط يكشف ما هم عليه من الباطل، وقلنا: إن المحقق الماهر هو الذي يصل إلى الحقيقة من خلال مناقشة المتهم مناقشة تُوقعه دون أن يدري، ذلك لأن المتكلم بالحق يحكي واقعاً على هيئة واحدة، فمهما أعدْتَ عليه السؤال يُجِب إجابة واحدة.
أمّا الكاذب فلا يحكي واقعاً، إنما يحكي كذباً واختلاقاً لا بُدَّ أن ينتهي بتضارب في أقواله...
بعد أن قالوا هذا الكلام أراد الحق سبحانه أن يُفظع الرد عليهم فقال: وَلَوْ تَرَىٰ.. يعني: يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ.. يعني: بين يدي الله، ينتظرون الفصل والحساب.
تعلمون أن (لَوْ) أداة شرط تحتاج إلى جواب، هذا الجواب حُذِف من سياق الآية ليدلَّ على التهويل والتفظيع. وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم.. لرأيتَ أمراً عظيماً، وهذا الأسلوب تذهب فيه النفس كلَّ مذهب، ونتصور ألوان العذاب والذلة التي يعانيها الكفار في هذا الموقف بين يدي الله عز وجل، فحَذْف الجواب هنا أبلغ من ذِكره...
ثم تستمر الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي عند الذلة والانكسار، إنما يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة على الآخر، ومعنى (يرجع) من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يردُّ كلامه ويُنكِره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع والمتبوعين، وهنا نموذج منها:
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ يعني: الضعفاء والمقلدين لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ وهم السادة الكبار المتبوعون لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ فيكفي من عظمة القيامة أنْ يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ويواجهه -مع أن كلاهما خائب خاسر- ذلك لأن الضعف كان في الدنيا والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوتْ الرؤوس، وها هم الضعفاء يقولون لأسيادهم لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ.
وما دامت المسألة مراجعة، كُلٌّ يُرجِع إلى الآخر قوله، فلا بُدَّ أنْ يرد الذين استكبروا، وأنْ يراجعوا الذين استُضْعِفوا.
ثم يقول الحق سبحانه:
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ....
تفسير الشعراوي
الشعراوي