ثم قال تعالى :
وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ .
قلت : جمع التكسير يُذكّر ويؤنث للعقلاء وغيرهم، ولذلك قال : بالتي . و زلفى : مفعول مطلق، أي : وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم، و إلا من آمن : مستثنى من الكاف في " تُقربكم "، متصل، وقيل : منقطع. و من : شرط، جوابه : فأولئك . وعلى الاتصال ف " مَن " منصوبة بتُقرب.
يقول الحق جلّ جلاله : وما أموالُكم ولا أولادُكم بالتي تقربكم عندنا زلفى أي : قُربة، إِلا مَن آمن وعمل صالحاً يعني أن الآمال لا تُقرب أحداً إلا المؤمن الصالح، الذي يُنفقها في سبيل الله. والأولاد لا تُقرب أحداً من الله إلا مَن علَّمهم الخير، وفقَّههم في الدين، وأرشدهم للصلاح والطاعة، فإنَّ علمهم يجري عليه بعد موته لقوله صلى الله عليه وسلم :" إذا مات ابن آدم انقطع عملُهُ إلا من ثلاثٍ : صدقة جاريةٍ، وعلمٍ بثه في صدور الرجال، وولدٍ صالح يدعو له بعد موته١ ".
فأولئك لهم جزاءُ الضِّعْفِ أي : تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشراً إلى سبعمائة، على قدر النية والإخلاص. وهو من إضافة المصدر إلى المفعول. والأصل : يجازون الضعفَ، ثم جزاءٌ الضعفَ، ثم أضيف. وقرأ يعقوب بالنصب على التمييز، أي : فأولئك لهم الضعف لأعمالهم جزاءُ بما عَمِلُوا أي : بأعمالهم وهم في الغرفاتِ آمنون أي : في غرفات الجنان آمنون من كل هائل وشاغل. وقرأ حمزة :" في الغرفة " إرادة الجنس.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي