ﭛﭜﭝﭞ

«والْحَرُورُ » شدة حر الشمس١ وقال الزمخشري : الحرور السَّمُوم إلا أنّ السًّمُومَ بالنهار والحرور فيه وفي الليل٢ قال شهاب الدِّين : وهذا٣ مذهب الفراء٤ وغيره. وقيل السموم بالنهار والحرور بالليل خاصة. نقله ابن عطية عن٥ رؤبة. وقال : ليس بصحيح بل الصحيح ما قاله الفراء. وهذا عجيب منه كيف يرد على أصحاب اللِّسان بقول من يأخذ عنهم٦ ؟ وقرأ الكسائي - في رواية زَاذَانَ٧ - عنه «وَمَا تَسْتَوِي الأَحْيَاْءُ » بالتأنيث على معنى الجماعة. وهذه الأشياء جيء بها على سَبيل الاستعارة والتمثيل فالأعمى والبصير الكافر والمؤمن والظلمات والنور الكفر والإيمان والظَّلُّ والحَرُورُ الحقُّ والباطل والأحياء والأموات لمن دخل في الإسلام ولمن لم يدخل فيه. وجاء ترتيب هذه المَنْفِيَّات٨ على أحسن الوجوه فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصيرمثلين للكافر والمؤمن عقبه بما كل منهما فيه فالكافر في ظلمة والمؤمن في نور لأن البصير وإن كان حديد النظر لا بدّ له من ضوء يبصر فيه وقدم الأعمى ؛ لأن البصير فاصلة فحسن تأخيره ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم٩ ما هو فيه فلذلك قدمت الظلمة على النور ولأن النور فاصل.
ثم ذكر ما لكلّ منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور، وأخّر الحرور لأجل الفاصلة كما تقدم
وقولنا : لأجل الفاصلة هنا وفي غيره من الأماكن أحسن من قيل بعضهم لأجل السجع لأن القرآن يُنَزّه عن ذلك. وقد منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع١،
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأفرد «الأعمى والبصير » لأنه قابل الجِنْسَ بالجنس إذ قد يوجد في أفراد العُمْيَان ما يساوي بعض أفراد البُصَراء كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيراً بليداً فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأَفْرَادِ٢.
وجمع الظلمات لأنها عبارة عن الكفر والضلال وَطُرُقُهُمَا٣ كثيرة متشعبة. ووحد النور لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد فالتفاوت٤ بين كل فرد من أفراد الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى الظلمات كلها لا تجد فيها ما يساوي هذا الواحد٥ قال شهاب الدين : كذا قيل. وعندي ( أنه )٦ ينبغي أنْ يقال : إن هذا الجمع لا يساوي هذا الواحد فنعلم انتفاء مساواة٧ ( فردٍ منه )٨ ( لِ ) هذا الواحد بطريق أولى وإنما جمع الأحْيَاءَ والأموات لأن التفاوت بينهما أكثر إذ ما من ميِّتٍ يساوي في الإدراك حيًّا فذكر أن الأَحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس أم الفرد بالفرد٩.

فصل


قال ابن الخطيب : قدم الأشْرَف في مثلين وهو١٠ الظّل والحيّ١١ وأخّره في مثلين وهو البصر والنور وفي مثل هذا يقول المفسرون : إنه لتواخي أواخر الآيات. وهذا ضعيف لأن تواخي الأواخرإلى السجع ومعجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع فيكون اللفظ حاملاً له على تغيير المعنى وأما القرآن فحكمة بالغة المعنى فيه صحيح واللفظ يصح فلا يقدم ويؤخر اللفظ بلا معنى فنقول١٢ : الكفار قبل النبي - عليه الصلاة١٣ و السلام- كانوا في ضلالة فكانوا كالعمي وطريقتهم كالظلمة ثم لما جاء النبي – عليه ( الصلاة١٤ و ) السلام- وبين الحق واهتدى به منهم قوم فصاروا بَصِيرينَ وطريقتهم كالنُّور فقال «لاَ يَسْتَوِي » من كان قبل البعث على الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان فلما كان الكفر قبل الإيمان في زمان محمد - عليه ( الصلاة١٥ و ) السلام- والكافر قبل المؤمن قدم المقدم.

١ قال في الغريب: ((هذا المثل للجنة والنار)) انظر: الغريب ٣٦١..
٢ قاله في الكشاف ٣/٣٠٦..
٣ الدر المصون ٤/٤٧٤..
٤ لم أجدها في معانيه ونقلها عنه القرطبي في الجامع ١٤/٣٣٩ والسمين في الدر ٤/٤٧٤..
٥ نقله أبو حيان في البحر ٧/٣٠٩ كما نقله أبو عبيدة في المجاز ٢/١٥٤ عنه..
٦ البحر المحيط السابق..
٧ هو إبراهيم بن زادان روى عن علي بن حمزة الكسائي. انظر ترجمته في غاية النهاية ١/١٤ وانظر القراءة في البحر المحيط ٧/٣٠٨ ومختصر ابن خالويه ١٢٣ والدر المصون ٤/٤٧٥..
٨ في ((ب)) المنقبات. تحريف..
٩ في ((ب)) تقدم..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية