ﭛﭜﭝﭞ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير١٨ وما يستوي الأعمى والبصير ١٩ ولا الظلمات ولا النور٢٠ ولا الظل ولا الحرور٢١ وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ٢٢ إن أنت إلا نذير ٢٣ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ٢٤
كثير من الآيات منذ مفتتح السورة الكريمة قررت البعث والنشور، ثم أقامت على إتيان هذا اليوم ووقوعه ومجيئه الحجة والدليل والبرهان، وجاءت الآية الثانية عشرة ولا تزر وازرة وزر أخرى لتبين الوزن الحق، والجزاء العدل في يوم الصاخة والطامة الكبرى :)يوم يفر المرء من أخيه. وأمه١ وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه( ٢، فلا تحمل نفس إلا وزرها، ).. لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق.. ( ٣، وإن تستغث نفس أثقلتها ذنوبها بمن تؤمل منه الغياث ليحمل عنها بعض ذنوبها التي حملتها لا يحمل من خطاياها من شيء مهما كان من ذوي قرباها، من أب أو أخ أو ابن أو أم، بل يريد كل فاجر أن يفتدي نفسه ولو بأقرب الناس إليه فلا تقبل منه الفدية ).. يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه. وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤويه. ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه. كلا.. ( ٤ -تحمل كل نفس وزرها ولا منافاة بين هذا وقوله تعالى في سورة العنكبوت :( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم.. ( ٥ ؛ فإنه من الضالين المضلين، وهم يحملون إثم إضلالهم مع إثم ضلالهم، وكل ذلك آثامهم، ليس فيها شيء من آثام غيرهم، ولا ينافيه قوله سبحانه :(... مع أثقالهم... )لأن المراد بأثقالهم ما كان بمباشرتهم، وبما معها : ما كان بسوقهم وتسببهم، فهو للمضلين من وجه، وللآخرين من آخر- ٦.
ونصب{ ذا قربى على تمام كان لأن معنى الكلام : ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها، وأنثت مثقلة لأنه ذهب بالكلام إلى النفس. كأنه قيل : وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها، وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدى عن الذكر والأنثى، كما قيل :)كل نفس ذائقة الموت.. ( ٧ يعني بذلك كل ذكر وأنثى ]٨.
إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب إنما ينفع إنذارك من خافوا مقام ربهم من غير معاينة منهم، هابوا جلاله، وهم لم يروه تعالى وتقدس، أو يخافون عقاب الله في الآخرة دون أن يشاهدوه لكن لإيمانهم بما أتيتهم به وتصديقهم لك فيما أنبأتهم عن الله، فهؤلاء ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون ]٩. ، { وأقاموا الصلاة وجعلوا الصلاة منارا مقصودا، وأدوها تامة في مواقيتها، وبآدابها، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ومن تطهر عن دنس الشرك والمعاصي فإن ثواب ذلك راجع إليه هو، فكما أن كل نفس خاطئة تتحمل جرمها، ووزرها عائد عليها، فكذلك كل مهتد فإنما يهتدي لنفسه.
ومع قرب معنى الخشية من معنى الخوف والإشفاق نلمح أكثر الآيات القرآنية تورد[ الخشية ] حين توردها على أنها المهابة والإجلال لمقام الله العلي الأعلى، بينما يذكر الإشفاق والخوف مقرونا بالحذر من البلاء، ومن ذلك قول الله الحكيم :).. ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب( ١٠وقوله عز شأنه :)إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون( ١١ وقوله سبحانه :).. وخشي الرحمن بالغيب.. ( ١٢ )إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير( ١٣ بينما تأتي آيات الخوف مقرونة بالفزع من الأهوال- غالبا- ومن ذلك ما ختمت به سورة )ق( :).. فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) وما جاء في سورة الرعد :).. ويخافون سوء الحساب ) وما جاء في سورة غافر :)وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب( ١٤ )ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد( ١٥، وكذا ما جاء في سورة )هل أتى على الإنسان( :( إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا( ١٦، وما حكاه القرآن عن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام :( قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى( ١٧.
عن قتادة : قوله : ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه أي من يعمل صالحا فإنما يعمله لنفسه، وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس مؤمنكم وكافركم وبركم وفاجركم، وهو مجاز جميعكم بما قدم من خير أو شر.
ولا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، كما لا يستوي الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات مع النور، ولا يستوي ظل وحرور، ولا يستوي الحي والميت، فلا نسوي بين مسلم ومجرم :)أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون( ١٨ )أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار( ١٩ )أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون( ٢٠ )قل لا يستوي الخبيث والطيب.. ( ٢١، مما قال قتادة : هذه كلها أمثال ! أي كما لا تستوي هذه الأشياء كلها كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. اهـ
ومايستوي الأحياء ولا الأموات فبالإيمان تحيا القلوب، وبدونه تظل ميتة، ولقد بين القرآن الحكيم ما بين حاليهما من تخالف، فقال الله جل وعز :)أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها.. ( ٢٢.
[ كما لا يقدر- الرسول- أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه.. وقوله : إن أنت إلا نذير يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه، فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به فإن ذلك بيد الله لا بيد غيره من الناس فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك ]٢٣.
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا شهد الله- وكفى به شهيدا- أن محمدا مبعوثه بالبر والرشد، واليسر والخير، والهدى ودين الحق، ليبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وينذر الجاحدين والمنكرين والمكذبين خزيا وتخسيرا، وسلاسل في الآخرة وأغلالا وسعيرا، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وما من أمة سبقت إلا مضى فيها وسلف نذير من الله لئلا يكون للناس على الله حجة، فهو صلى الله عليه وسلم مبعوث على سنن إخوانه من النبيين الأولين )قل ما كنت بدعا من الرسل. )٢٤، وقال تعالى :)ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة( ٢٥...


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير