ثم ذكر عناد قريش وعتوهم، تتميماً لقوله : والذين كفروا لهم نار جهنم. . . إلخ، فقال :
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً * أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً .
قلت :" جهد " : نصب على المصدر، أو على الحال. و " استكبار " و " مكر " : مفعول من أجله أو حال.
يقول الحق جلّ جلاله : وأقسموا بالله جَهْدَ أيمانهم أي : إقساماً وثيقاً، أو : جاهدين في أيمانهم : لئن جاءهم نذير رسول ليكونن أهدى من إحدى الأمم المهتدية، بدليل قوله : أهدى وقوله في سورة الأنعام : لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ [ الأنعام : ١٥٧ ] وذلك أن قريشاً قالوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم : لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، أي : من الأمة التي يقال فيها : هي أهدى الأمم، تفضيلاً لها على غيرها في الهُدى والاستقامة. كما يقال للداهية العظيمة : هي أهدى الدواهي. فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما زادهم إِلا نُفوراً أي : ما زادهم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تباعداً عن الحق، وهو إسنادٌ مجازيّ ؛ إذ لا فاعل غيره.
ثم قال في قوله : أولم يسيروا... الخ : ما خاب له وليٌّ، وما ربح له عدو، ولا تنال الحقيقةُ بمَن انعكس قَصْدُه، وارتدَ عليه كيدُه، دَمّر على أعدائه تدميراً، وأوسع لأوليائه فضلاً كبيراً. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي