وليثبت الحق سبحانه وتعالى فؤاد خاتم رسله حتى يتحمل أذى قومه، ويقابل أعراضهم بالصبر والتجمل، وليتأكد عبد الله ورسوله من أن المكذبين من قومه ليسوا بدعا من الأقوام، بل لهم سلف طالح في العناد والتكذيب، وجه إليه كتاب الله الخطاب داعيا إياه إلى التدبر في قصة ( أصحاب القرية ) الذين جاءتهم رسل من عند الله فكذبوهم، ورفضوا دعوتهم، وقابلوهم بالسوء من القول، وهددوهم بالرجم والتعذيب، وذلك قوله تعالى : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون( ١٣ ) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما، فعززنا بثالث، فقالوا إنا إليكم مرسلون( ١٤ ) قالوا ، أي : قال أصحاب القرية المكذبون، ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمان من شيء إن أنتم إلا تكذبون( ١٥ ) قالوا ، أي : قال رسل الله ردا على أصحاب القرية : ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون( ١٦ ) وما علينا إلا البلاغ المبين( ١٧ ) قالوا ، أي : قال أصحاب القرية المعاندون، إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم( ١٨ ) .
ومعنى قوله تعالى : فعززنا بثالث ، أي : شددنا أزرهما، وقوينا رسالتهما برسول ثالث، وهذه هي القصة الوحيدة التي يتحدث فيها كتاب الله عن تكليف ثلاثة من الرسل في آن واحد، ومكان واحد، بتبليغ رسالة واحدة، وذلك بالإضافة إلى ما هو متعارف عند الجميع، من اشتراك موسى وهارون في تبليغ رسالة واحدة، مما تناولته عدة آيات في عدة سور، من بينها قوله تعالى في سورة ( المؤمنون ) ( ٤٥ ) : ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئيه .
ومعنى قول أصحاب القرية في خطابهم للرسل الثلاثة : إنا تطيرنا بكم ، أي : تشاءمنا منم وبكم، تعبيرا عن كراهيتهم للرسل، ونفورهم من الرسالة، مثلهم في ذلك مثل قوم فرعون، الذين وصفهم كتاب الله بنفس الشيء، حيث قال تعالى في شأنهم } ( ١٣١ : ٧ ) : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ، ومثل قوم صالح، الذين واجهوا نبيهم وأخاهم صالحا بالسوء، فقالوا : اطيرنا بك وبمن معك ( ٤٧ : ٢٧ )، لكن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله إلى أصحاب القرية ردوا عليهم ردا مفحما : قالوا طائركم معكم ، أي أن الشؤم الذي تحسون به إنما هو نتيجة لفساد عقيدتكم، وأثر من آثار كفركم.
ومعنى قوله تعالى : أين ذكرتم ، أي : أمن أجل أننا ذكرناكم بالله، ودعوناكم إلى توحيده وعبادته، تطيرتم بنا، وتشاءمتم برسالتنا، وهددتمونا بالرجم والتعذيب، بل أنتم قوم مسرفون( ١٩ ) من ( الإسراف ) بمعنى مجاوزة الحد، أي : أنتم قوم مغرقون في الضلال والعصيان، ممعنون في الغي والعدوان.
ولعل سائلا يدفعه حب الاستطلاع إلى أن يتساءل ما هي القرية التي جرت فيها هذه القصة ؟ والجواب أن بعض قدماء المفسرين، قد اهتموا بهذا الأمر الجانبي، وبناء على ما تلقفوه من بعض الأخبار صرحوا بأن هذه القرية هي( إنطاكية )، لكن ابن كثير، المفسر والمحدث والمؤرخ، تصدى في تفسيره لإبطال هذا الرأي من عدة وجوه، مستندا إلى حجج تاريخية وواقعية مقنعة، وبذلك بقي اسم هذه القرية مبهما، على ما هو عليه في كتاب الله دون تعيين.
وواضح أن هذه القرية ليست هي القرية الأولى والوحيدة التي وقف أصحابها في وجه الرسل ورسالاتهم، فهذا النوع من المواقف تجدد كما تجددت الرسالات عبر العصور والأجيال، والعبرة في القصة بالمواقف التي سجلتها، لا بالمكان الذي وقعت فيه، إذ ليست للمكان في هذا المقام أدنى خصوصية مميزة.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري