ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٤: إِذ أرسلنا : بدل من " إذ " الأولى، أي : إذ بعثنا إِليهم اثنين بعثهما عيسى عليه السلام، وهما يوحنا وبولس، أو : صادقاً وصدوقاً، أو غيرهما. فلما قربا إلى المدينة، رأيا شيخاً يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار، فسأل عن حالهما، فقالا : نحن رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمان ؟ فقال : أمعكما آية ؟ فقالا : نشفي المريض، ونُبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ابن مريض منذ سنين، فمسحاه، فقام، فآمن حبيب، وفشا الخبر، فَشُفِي على أيديهما خلق كثير، فدعاهما الملك، وقال : ألنا إِلهٌ سوى آلهتنا ؟ فقالا : نعم، مَن أوجدك وآلهتك، فقال : قُوما حتى أنظر في أمركما، فحبسهما.
ثم بعث عيسى عليه السلام شمعونَ، فدخل متنكراً، وعاشر حاشية الملك، حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك، فاستأنس به. فقال له ذات يوم : بلغني أنك حبستَ رجلين، فهل سمعتَ قولهما ؟ قال : لا، فدعاهما. فقال شمعون : مَن أرسلكما ؟ فقالا : الله الذي خَلَق كل شيء، ورَزَق كل حيّ، وليس له شريك. فقال : صِفاه وأوجزا، فقالا : يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، قال : وما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنّى الملك، فدعا بغلام أكمه، فدعَوا الله، فأبصر الغلامُ، فقال شمعون للملك : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا، فيكون لك وله الشرف ؟ فقال : ليس لي عنك سرٌّ، إن إلهنا لا يُبصر ولا يَسمع، ولا يضر، ولا ينفع. فقال : إِنْ قدر إلهكما على إحياء ميّت آمنا، فدعَوا بغلام مات منذ سبعة أيام، فقام، فقال : إني دخلت في سبعة أودية من النار لِمَا مت عليه من الشرك، وأنا أُحذّركم ما أنتم عليه ! فآمِنوا. قال : وفُتحت أبواب السماء، فرأيت شابّاً حسن الوجه، يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك : مَن هم ؟ قال : شمعون وهذان، فتعجّب الملك. فلمّا رأى شمعون أن قوله أثّر فيه، نصَحه وآمن، وآمن قوم، ومَن لم يؤمن صاح عليهم جبريل، فهلكوا. كما سيذكره بقوله : إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون .
وهذا معنى قوله هنا : فَكذَّبُوهُما أي : فكذّب أصحابُ القرية المرسلين، فعَزَّزْنَا : قويناهما. وقرأ شعبة بالتخفيف، من : عزّه : غلبه، أي : فغلبنا وقهرنا بثالثٍ وهو شمعون، وترك ذكر المفعول به ؛ لأنَّ المراد ذكر المعزّز به، وهو شمعون، وما لطف به من التدبير حتى عزّ الحق، وذلّ الباطل. وإذا كان الكلامُ مُنصبًّا إلى غرض من الأغراض جُعل سياقه له وتوجُّهه إليه كأنما سواه مرفوض. فقالوا أي : الثلاثة لأهلِ القرية : إِنا إِليكم مُرْسَلُونَ من عند عيسى، الذي هو من عند الله. وقيل : كانوا أنبياء من عند الله عزّ وجل أرسلهم إلى قرية، ويرجحه قول الكفرة : ما أنتم إِلا بشرٌ مثلُنا إذ هذه محاورة إنما تقال لمَن ادعى الرسالة، أي : ما أنتم إلا بشر، ولا مزية لكم علينا، وما أنزلَ الرحمانُ من شيءٍ أي : وحياً، إِن أنتم إِلا تكْذِبون فيما تدعون من الرسالة.
خ١٩


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير