ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة أي إن كانت العقوبة، أو النقمة، أو الأخذة إلاّ صيحة واحدة صاح بها جبريل فأهلكهم. قال المفسرون : أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة، فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حسّ كالنار إذا طفئت، وهو معنى قوله : فَإِذَا هُمْ خامدون أي قوم خامدون ميتون، شبههم بالنار إذا طفئت ؛ لأن الحياة كالنار الساطعة، والموت كخمودها. قرأ الجمهور صيحة بالنصب على أن كان ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدّمنا. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، ومعاذ القارئ برفعها على أن كان تامة : أي وقع، وحدث، وأنكر هذه القراءة أبو حاتم، وكثير من النحويين بسبب التأنيث في قوله : إِن كَانَتْ قال أبو حاتم : فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال :" إن كان إلاّ صيحة "، وقدّر الزجاج هذه القراءة بقوله : إن كانت عليهم صيحة إلاّ صيحة واحدة، وقدّرها غيره : ما وقعت عليهم إلاّ صيحة واحدة. وقرأ عبد الله بن مسعود " إن كانت إلاّ زقية واحدة "، والزقية : الصيحة، قال النحاس : وهذا مخالف للمصحف، وأيضاً. فإن اللغة المعروفة : زقا يزقو إذا صاح. ومنه المثل ( أثقل من الزواقي )، فكان يجب على هذا أن تكون زقوة، ويجاب عنه بما ذكره الجوهري قال : الزقو والزقي مصدر، وقد زقا الصدا يزقو. زقا : أي صاح : وكل صائح زاق، والزقية : الصيحة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآية يقول : ما كابدناهم بالجموع : أي، الأمر أيسر علينا من ذلك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : يا حسرة عَلَى العباد يقول : يا ويلاً للعباد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : يا حسرة على العباد قال : الندامة على العباد الذين مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ يقول : الندامة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قال : وجدوه معمولاً لم تعمله أيديهم : يعني : الفرات، ودجلة، ونهر بلخ، وأشباهها أَفَلاَ يَشْكُرُونَ لهذا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرّ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا قال :«مستقرّها تحت العرش» وفي لفظ للبخاري، وغيره من حديثه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال :«يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس ؟» قلت : الله، ورسوله أعلم، قال :«إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله : والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا » وفي لفظ من حديثه أيضاً عند أحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم قال :«يا أبا ذرّ، أتدري أين تذهب هذه ؟ قلت : الله، ورسوله أعلم، قال : فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها، وكأنها قد قيل لها : اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها».
ثم قرأ " ذلك مستقرّ لها " وذلك قراءة عبد الله. وأخرج الترمذي، والنسائي، وغيرهما من قول ابن عمر نحوه.
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في قوله : والقمر قدرناه مَنَازِلَ الآية قال : هي ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في كلّ شهر : أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية، أولها الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والدبرة، والصرفة، والعوّاء، والسماك. وهو آخر الشامية، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدّم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر اليمانية، فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلاً عَادَ كالعرجون القديم كما كان في أوّل الشهر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : كالعرجون القديم يعني : أصل العذق العتيق.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية