ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

سَلْ عَمَّ شئت، وكما: قَالَ (فَناظِرَةٌ «١» بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) وقد أتَمَّها الشاعر وهي استفهام فقال:

إنا قتلنا بقتلانا سَراتكم أهلَ اللِّوَاءِ ففِيما يُكثَر الْقِيلُ «٢»
وقوله: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [٢٩] نصبتها القراء، إلا أبا جَعْفَر، فإنه رفعها، عَلَى ألا يُضمِر فِي (كانت) اسمًا. والنصب إِذَا أضمْرت فيها كما تَقُولُ: اذهب فليس إلا الله الواحد القهار والواحد القهار، عَلَى هَذَا التفسير، وسمعتُ بعض العرب يقول لرجل يصفه بالخِبّ «٣» : لو لَمْ يكن إلا ظِلَّة لَخَاب «٤» ظِلُّه. والرفع والنصب جائزان. وقد قرأت القراء (إِلَّا أَنْ تَكُونَ «٥» تِجارَةً حاضِرَةً) بالرفع والنصب. وهذا من ذَاكَ.
وقوله (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) وَفِي قراءة عبد الله (إن كانت إلَّا زَقْيَةً) والزَقْيَة والزَقْوة لغتان. يقال زَقَيت وَزَقوت. وأنشدني بعضهم وهو يذكر امرأة:
تلد غلامًا عَارِمًا يؤذيكِ ولو زَقَوت كَزُقاء الدّيك
وقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [٣٠] المعنى: يا لَهَا حسرةً عَلَى العباد. وقرأ بعضهم (يا حسرة العباد) والمعنى فِي العربية واحد. والله أعلم. والعرب إِذَا دعت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلًا كريمًا أقبل، ويا راكبًا عَلَى البعير أقبل. فإذا أفردوا رفعوا أكثر/ ١٥٦ ب مما ينصبون. أنشدني بعضهم:
يا سيّدا ما أنت من سَيِّدٍ موطّأ الأعقابِ رَحْبِ الذراع
قوّال معروف وفعّاله نَحّار أُمَّات الرِّبَاع الرِّتَاع «٦»
(١) الآية ٣٥ سورة النمل.
(٢) السراة الأشراف واحدها سرى.
(٣) الخب: الخبث. وخاب بتشديد الباء: خدع ومكر.
(٤) الخب: الخبث. وخاب بتشديد الباء: خدع ومكر.
(٥) الآية ٢٩ سورة النساء. والنصب لعاصم وحمزة والكسائي وخلف. والرفع لغيرهم.
(٦) من قصيدة مفضلية للسفاح بن بكير اليربوعي، يرثى فيها يحيى بن شداد اليربوعي وقوله: ما أنت من سيد تعجب من سيادته وفضله. و «موطأ الأعقاب» الرواية فى المفضليات: «موطأ البيت» والمراد هنا أن الناس يتبعونه ويطئون عقبه لأصالة رأيه. وفى الأساس: «وفلان موطأ العقب أي كثير الأتباع» وأمات الرباع: النوق التي لها رباع وهى جمع ربع كصرد لما ينتج فى الربيع. والرتاع من صفة أمات وهى التي ترعى فى الخصب. وانظر المفضلية ٢٩٢ والخزانة ٢/ ٥٣٦.

صفحة رقم 375

أنشدنيه بعض بني سُلَيْم (موطّأ) بالرفع، وأنشدنيه الْكِسَائي (موطأ) بالخفض. وأنشدني آخر:

ألا يا قتيلًا ما قتيلَ بني حِلْس إِذَا ابتلَّ أطرافُ الرماح من الدَّعْسِ «١»
ولو رفعت النكرة الموصولة بالصفة كَانَ صوابًا. قد قالت العرب:
يا دار غيرها البلى تغييرا
تريد: يا أيتها الدار غيَّرهَا. وسمعت أبا الجراح يقول لرجل: أيا مجنونُ مَجْنُونُ، إتباع «٢».
وسمعت من العرب: يا مهتمُّ بأمرنا لا تهتمّ، يريدون: يا أيها المهتمّ.
وقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا [٣١] (كَمْ) فِي موضع نصب من مكانين: أحدهما أن توقع (يَرَوْا) عَلَى (كَمْ) وهي فِي قراءة عبد الله (ألم يروا مَن أهلكنا) فهذا وجه. والآخر أن توقع (أهلكنا) عَلَى (كم) وتجعله استفهامًا، كما تَقُولُ: علمت كم ضربت غلامك. وإذا كَانَ قبل مَن وأيّ وكم رأيت وما اشتُقّ منها، أو الْعِلم وما اشتقّ منه وما أشبه معناهما، جازَ أن توقع ما بعدكم وأيّ ومن وأشباهها عليها، كما قَالَ الله (لِنَعْلَمَ «٣» أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) ألا ترى أنك قد «٤» أبطلت العلم عَن وقوعه عَلَى أيّ، ورفعت أيّا بأحصى. فكذلك تنصبُها بفعل لو وقع عليها.
وقوله (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ) فُتحت ألفها لأن المعنى: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وقد كسرها الْحَسَن الْبَصْرِيّ، كأنه لَمْ يوقع الرؤية عَلَى (كم) فلم يوقعها «٥» عَلَى (أنّ) وإن شئت كسرتها عَلَى الاستئناف وجعلت كم منصوبة بوقوع يروا عليها.
وقوله: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ [٣٢] شدّدها الأعمش وعاصم. وقد خفّفها قومٌ كَثِير منهم من قرَّاء أهل المدينة وبلغني أن عليًّا خَففها. وهو الوجه لأنَّها (ما) أدخلت عليها لام تكون جوابا
(١) بنوحلس: بطين من الأزد كما فى اللسان (حلس). والدعس: الطعن.
(٢) سقط فى ا، ب وكأنه يريد أن «مجنون» الآخرة إتباع للأولى.
(٣) الآية ١٢ سورة الكهف. [.....]
(٤) ا: «إذ».
(٥) ا: «توقعها».

صفحة رقم 376

معاني القرآن للفراء

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء

تحقيق

أحمد يوسف نجاتي

الناشر دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف ألفاظ القرآن
اللغة العربية