ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤: وَجَعَلْنَا فِيها جَنَّاتٍ : بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وفَجَّرْنا فِيهَا : في الأرض مِنَ العُيُونِ لِيَأْكُلُوا منْ ثَمَرِهِ الحاصل بالماء١.
قوله : وَفَجَّرنَا : العامة على التشديد تكثيراً ؛لأنها٢ مخففة متعدّية، وقرأ جَنَاحُ بْنُ حبيش بالتخفيف٣، والمفعول محذوف على كلتا القراءتين أي : يَنْبُوعاً كما في آية :«سبْحَانَ »٤.
قوله : مِن ثَمَرِهِ قيل : الضمير عائد على النخيل ؛ لأنه أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى٥ على هذا لتقدم٦ شيئين وهما : الأعْنَاب والنَّخِيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل : يعود٧ على جنات وعاد بلفظ٨ المفرد ذهاباً بالضمير مَذْهَبَ اسم الإشارة٩ كقول رؤبة :

٤١٨١-
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبلَقْ... كَأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ١٠
فقيل له :١١، فقال : أردت كأن ذاك وتلك، وقيل : عائد على الماء المدلول عليه بعيون١٢. وقيل : بل عاد عليه لأنه مقدر أي من العيون. ويجوز أن يعود على العيون. ويعتذر عن إفراده بما تقدم في عوده على جنات، ويجوز أن يعود على الأعناب والنخيل معاً ويعتذر عنه بما تقدم١٣ أيضاً. وقال الزمخشري وأصله من «ثَمَرِنَا » لقوله١٤ : وفَجَّرْنَا و «أَيْدِينَا »١٥ فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات١٦. والمعنى ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر. فعلى هذا يكون الضمير عائداً على الله تعالى ؛ ولذلك فسر معناه بما ذكر١٧، وتقدمت هذه القراءات في هذه اللفظ في سورة١٨ الأَنْعَام.
قوله : وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ في «ما » هذه أربعة أوجه :
أحدها : أنها موصولة١٩ أي : ومن الذي عملته أيديهم من الغَرْس والمُعَالَجَة. وفيه تجوز٢٠ على هذا.
والثاني : أنها نافية٢١ أي : لم يعلموه هم بل الفاعل له هو الله سبحانه وتعالى، أي : وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها. وهو قول الضحاك ومقاتل. وقيل : أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يدُ٢٢ خلقٍ مثل الدِّجْلة والفرات والنيل ونحوها. وقرأ الأخوان وأبو بكر بحذف الهاء٢٣. والباقون : وما عملته بإثباتها. فإن كانت «ما » موصولة فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حذف العائد كما حذف في قوله : أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً [ الفرقان : ٤١ ] بالإجماع وعلى قراءة غيرهم جيء به على الأصل، وإن كانت نافيةً فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر لا ضمير مقدر ولكن المفعول محذوف أي : ما عَمِلَتْ أيْدِيهم شَيْئاً من٢٤ ذلك وعلى قراءة غيرهم الضمير يعود على ثَمَرِهِ وهي مرسومة بالهاء في غير مصاحف الكوفة وبحذفها فيما٢٥ عداها، فالأخوان٢٦ وأبو بكر وافقوا مصاحفهم والباقون غير حفص وافقو ( ها )٢٧ أيضاً وحفص خالف مصحفه وهذا يدل على أن القراءة متلقاةٌ من أفواه الرجال فيكون عاصم قد أقرأها لأبي ( بكر )٢٨ بالهاء ولحفص بدونها.
الثالث : أنها٢٩ نكرة موصوفة٣٠ والكلام فيها كالكلام٣١ في الموصولة.
والرابع : أنها مصدرية أي ومن عمل٣٢ أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به فيعود المعنى إلى معنى الموصولة٣٣ أو الموصوفة.

فصل :


إذا قلنا :«ما » موصولة يحتمل أن يكون المعنى : وما عملته أيديهم بالتِّجَارة كأنه ذكر نَوْعَيْ ما يأكل الإنسان وهما الزراعة والتجارة ( أ ) و٣٤من النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعِنَبِ والتَّمْر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة أو كالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح٣٥ ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله : أَفَلاَ يَشْكُرُونَ وذكر بصيغة الاستفهام لما تقدم في فوائد الاستفهام٣٦. قوله : سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا أي : الأصناف و سبحان عَلَمٌ دال على التسبيح تقديره : سُبِّح تَسْبِيحَ الِّذِي خلق الأزواج.
ومعنى ( سبح ) :٣٧ نَزَّهَ.
١ وانظر هذه التفسيرات في القرطبي ١٥/٢٥..
٢ أي "فجر"..
٣ ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٢٥ وهي من الشواذ كما ذكرها الزمخشري في كشافه بدون نسبة. الكشاف ٣/٣٢١..
٤ يشير إلى الآية ٩٠ من سورة الإسراء: حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا فينبوعا في الإسراء مفعول "لتفجر" المضارع الثلاثي..
٥ في "ب" ينبني..
٦ وفيها: التقدير بشيئين..
٧ ذكر هذين الرأيين أبو حيان في البحر ٧/٣٣٥ والسمين في الدر ٤/٥١٥ والزمخشري في الكشاف ٣/٣٢٢ وجعلها القرطبي عائدا على ماء العيون. القرطبي ٤٥/٢٤..
٨ في "ب" لفظ..
٩ المراجع السابقة..
١٠ من الرجز والبلق سواد وبياض في الجلد. والفعل منه بلق كفرح. والتوليع استطالة البلق. وشاهده: وضع اسم الإشارة موضع الضمير. وقد نوقش رؤبة في هذا فقال: أردت كأن ذاك وقد تقدم..
١١ في البحر المحيط: "كيف قلت: كأنه والذي تقدم خطوط فقال: أردت الخ..." البحر ٧/٣٣٥ وثبت عن أبي عبيدة : فقلت لرؤبة: إن كانت خطوطا فقل: كأنها وإن كان سواد وبلق فقل: كأنهما. فقال: كأن ذاك ويلك توليع البهق. اللسان: "و ل ع" ٤٩١٧..
١٢ نقله القرطبي ١٥/٢٥..
١٣ وانظر هذه الأقوال كلها في الدر المصون ٤/٥١٦..
١٤ كذا هو الأصح من "ب" وما في "أ" كقوله..
١٥ كذا في النسختين وما في الكشاف: "وجعلنا" بدلا من "أيدينا"..
١٦ الكشاف ٣/٣٢٢..
١٧ قاله السمين في الدر المصون ٤/٥١٦..
١٨ يشير إلى قوله: كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده الآية ١٤١. وقراءة حمزة والكسائي وآخرين بضم الثاء "ثمره" والميم أيضا والباقون بالفتح. الإتحاف ٣٦٥ و ٢١٩ والكشاف ٣/٣٢١..
١٩ قيلت في :"معاني القرآن وإعرابه" ٤/٢٨٦ ومعاني الفراء ٢/٣٧٧ والإعراب للنحاس ٣/٣٩٤ ومشكل الإعراب ٢/٢٢٦ والبيان للأنباري ٢/٢٩٥ والتبيان ١٠٨٢ والدر المصون ٤/٥١٦ والكشاف ٣/٣٢٢ والبحر ٧/٣٣٥..
٢٠ يقصد المجاز المرسل الذي علاقته اعتبار ما سيكون كقوله: "إني أراني أعصر خمرا"..
٢١ الكشاف والتبيان وبقية المراجع السابقة وانظر: القرطبي ١٥/٢٥..
٢٢ في "ب" يدخلونها. تحريف..
٢٣ زاد المسير ٧/١٦ والقرطبي ١٥/٢٥ والسبعة ٥٤٠ والإتحاف ٣٦٥ ومعاني الفراء ٢/٣٧٧..
٢٤ ولم يرجح ابن الأنباري هذا الوجه قال: "أن تكون نافية في قراءة من قرأ: "عملت" بغير هاء. والوجه الأول –يقصد الموصول- أوجه الوجهين، لأنها إذا كانت نافية افتقرت إلى تقدير مفعول لعملت". انظر البيان ٢/٢٩٥..
٢٥ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٣٢٢..
٢٦ في "ب" لأن الأخوان. بتحريف نحوي..
٢٧ لفظ "ها" سقط من "ب"..
٢٨ سقط من "ب" عجز المضاف إليه. وانظر: الدر المصون ٤/٥١٧..
٢٩ في "ب" أنهما تحريف..
٣٠ التبيان لأبي البقاء ١٠٨٢ والسمين ٤/٥١٧..
٣١ في كونهما في موضع جر عطفا على ثمره ويجوز أن يكون نصبا على موضع من ثمره..
٣٢ في "ب" أي وما عملت خطأ..
٣٣ ذكر هذا الوجه أبو حيان في البحر ٧/٣٣٥ ومن بعده السمين ٤/٥١٧..
٣٤ بهمزة زيادة على الفخر الرازي وفي "ب" إذ من النبات..
٣٥ انظر: الرازي ٢٦/٦٨..
٣٦ لأن الغرض الانتفاع بما هو بين أيديهم والشكر من جهة التدبر فلما لم ينتفعوا قيل لهم ذلك..
٣٧ سقط من "ب"..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية