وَمَوْتُ الْأَرْضِ: جَفَافُهَا وَجَرَازَتُهَا لِخُلُوِّهَا مِنْ حَيَاةِ النَّبَاتِ فِيهَا، وَإِحْيَاؤُهَا: خُرُوجُ النَّبَاتِ مِنْهَا مِنَ الْعُشْبِ وَالْكَلَأِ وَالزَّرْعِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَيِّتَةُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
وَالْحَبُّ: اسْمُ جَمْعِ حَبَّةٍ، وَهُوَ بَزْرَةُ النَّبْتِ مِثْلُ الْبُرَّةِ وَالشَّعِيرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦١].
وَإِخْرَاجُ الْحَبِّ مِنَ الْأَرْضِ: هُوَ إِخْرَاجُهُ مِنْ نَبَاتِهَا فَهُوَ جَاءَ مِنْهَا بِوَاسِطَةٍ. وَهَذَا إِدْمَاجٌ لِلِامْتِنَانِ فِي ضِمْنِ الِاسْتِدْلَالِ وَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَتَقْدِيم فَمِنْهُ عَلَى يَأْكُلُونَ لِلِاهْتِمَامِ تَنْبِيهًا عَلَى النِّعْمَةِ ولرعاية الفاصلة.
[٣٤، ٣٥]
[سُورَة يس (٣٦) : الْآيَات ٣٤ إِلَى ٣٥]
وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)
هَذَا مِنْ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِإِنْبَاتِ الْأَشْجَارِ ذَاتِ الثِّمَارِ، وَهُوَ إِحْيَاءٌ أَعْجَبُ وَأَبْقَى وَإِنْ كَانَ الْإِحْيَاءُ بِإِنْبَاتِ الزَّرْعِ وَالْكَلَأِ أَوْضَحَ دَلَالَةً لِأَنَّهُ سَرِيعُ الْحُصُولِ.
وَتقدم ذكر جَنَّاتٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ [٤].
وَتَفْجِيرُ الْعُيُونِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٤].
وَالثَّمَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمَّتَيْنِ: مَا يَغُلُّهُ النَّخْلُ وَالْأَعْنَابُ مِنْ أَصْنَافِ الثَّمَرِ وَأَصْنَافِ الْعِنَبِ وَالثَّمَرَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحُبِّ لِلسُّنْبُلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: ثَمَرِهِ بِفَتْحَتَيْنِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ بِضَمَّتَيْنِ. وَالنَّخِيلُ: اسْمُ جَمْعِ نَخْلٍ.
وَالْأَعْنَابُ جَمْعُ عِنَبٍ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى شَجَرَةِ الْكَرْمِ وَعَلَى ثَمَرِهَا. وَجَمْعُ النَّخِيلِ
وَالْأَعْنَابِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَصْنَافِ شَجَرِهِ الْمُثْمِرِ أَصْنَافًا مِنْ ثَمَرِهِ.
وَضَمِيرُ مِنْ ثَمَرِهِ عَائِدٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، أَيْ مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
| فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ | كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعَ الْبَهَقْ |
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٨].
وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى النَّخِيلِ وَتُتْرَكُ الْأَعْنَابُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا مِثْلُ النَّخِيلِ. كَقَوْلِ الْأَزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ بْنِ الْعَمُودِ الْقَرَاطِيِّ (١) الْبَاهِلِيِّ:
| رَمَانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي | بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَّانِي (٢) |
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا فِي قَوْلِهِ: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلَى ثَمَرِهِ، أَيْ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَر مَا أخرجناه وَمن ثَمَرِ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ إِدْمَاجًا لِلْإِرْشَادِ إِلَى إِقَامَةِ الْجَنَّاتِ بِالْخِدْمَةِ وَالسَّقْيِ وَالتَّعَهُّدِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْفَرَ لِأَغْلَالِهَا. وَضَمِيرُ عَمِلَتْهُ عَلَى هَذَا عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْمَوْصُولِ. وَيجوز أَن يكون مَا نَافِيَةً وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُقُوهُ. وَهَذَا أَوْفَرُ فِي الِامْتِنَانِ وَأَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ مَسَاقَ الِاسْتِدْلَالِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَما عَمِلَتْهُ بِإِثْبَاتِ هَاءِ الضَّمِيرِ عَائِدًا إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ وَما عَمِلَتْ بِدُونِ هَاءٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْسُومٌ فِي الْمُصْحَفِ الْكُوفِيِّ وَهُوَ جَارٍ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ إِنْ كَانَ مَعْلُومًا.
_________
(١) كَذَا فِي نُسْخَة «تَفْسِير ابْن عَطِيَّة»، وَلم أَقف على معنى هَذِه النِّسْبَة.
(٢) نازعه نَاس من قُشَيْر فِي بِئْر لَدَى الْحَاكِم فَقَالَ الْقشيرِي للأزرق: هُوَ لص ابْن لص ليغري بِهِ الْحَاكِم، وَنسب بَعضهم هَذَا إِلَى الْبَيْت للفرزدق، وَلَا يَصح. صفحة رقم 14
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور