بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يسمكية
قوله تعالى (ذكره): يس * والقرآن الحكيم إلى قوله: فَهُم مُّقْمَحُونَ.
قال ابن أبي ليلى: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، من قرأها نهاراً كُفِي همه، ومن قرأها ليلاً كُفِي ذنبه.
وقال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة وطه ويس فقط. صفحة رقم 5997
روى عن عقبة بن عامر أنه كان يحدث: (أن) النبي ﷺ قال: " مَنْ قَرَأَ يَس فَكَانَّما قَرَأَ القُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ " من رواية ابن وهب.
قرأ عيسى بن عمر: " يَاسِينَ " بفتح النون، جعله مبنياً على الفتح، ويجوز أن يكون فتح لالتقاء السكانين، وأراد به الوصل واختار الفتح، كما قالوا: كيف وأين.
وأجاز سيبويه أن يكون مفعولاً به على معنى: اقرأ ياسين، أو: اذكر ياسين. لكنه لم ينصرف لأنه اسم للسورة، فهو اسم أعجمي عنده كهابيل.
وذكر الفراء: كسر النون لالتقاء الساكنين كما قالوا: جَيْرٍ لا أَفْعَل.
قال ابن عباس: " يس " قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى ذكره.
وعنه أيضاً: " يس " يا إنسان يريد محمداً ﷺ.
وروى عكرمة عنه: " يس ": يا إنسان بالحبشية.
وقال مجاهد: " يس " مفتاح كلام افتتح الله جل ذكره به كلامه.
وقال قتادة: (كل هجاء) في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.
وقال الزجاج: جاء في التفسير " يس " معناه: يا إنسان، وجاء (يا) رجل، وجاء: يا محمد.
وقوله: والقرآن الحكيم قسم، والحكيم: المحكم آياته.
إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين جواب القسم، (أي) لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده.
على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أي: على طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، قاله قتادة.
وقيل: على طريق الأنبياء قبلك.
والوقف على يس جائز إذا جعلته اسماً للسورة، أو تنبيهاً.
ولا يحسن الوقف على المرسلين لأن ما بعده متعلق به.
و (قد) أجازه أبو حاتم. وهو غلط.
ثم قال (تعالى): تَنزِيلَ العزيز الرحيم من رفعه جعله خبراً ثانياً لإنَّ. ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا القرآن تنزيل المنيع بسلطانه وقدرته، الشديد في انقامه ممن كفر به الرحيم بخلقه.
ومن نصب " تنزيل " فعلى المصدر، أي: نزله تنزيلاً.
ولا يحسن الوقف على " الرحيم "، لأن اللام بعده متعلقة بما قبله، أي نزله تنزيلاً لتنذر.
ويجوز أن يتعلق بالمرسلين، أي: إنك لمن المرسلين لتنذر.
(والمعنى لتنذر) يا محمد قوماً لم يُنْذَر آباؤُهم من قبلهم، قاله قتادة فما جحد.
وقال عكرمة: قد أُنْذِرَ آباؤهم. فتكون " ما " والفعل مصدراً [أي إنذاراً مثل إنذار آبائهم. ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي على هذا القول]، أي لتنذر قوماً الذي أُنْذِرَ آباؤهم، أي: الذي أُنْذِرُوا.
فَهُمْ غَافِلُونَ أي: غافلون عن دين الله وما لله صانع بهم إن ماتوا
على كفرهم به.
وهذا يدل على أن (ما) نافية، لأنهم لو كان آباؤهم أنذِروا لم يكونوا غافلين. ويدل على ذلك أيضاً قوله (تعالى): وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ [سبأ: ٤٤].
ثم قال: لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ أي: وجب عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون.
وقيل: معناه: وجب (عليهم العذاب)، كما قال: ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين [الزمر: ٧١].
وهذا إثبات للقدر، وأن الأمر كله قدره الله وفرغ منه، فحق وقوعه على ما قدره وعلمه.
وكذلك: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً [يس: ٩] الآية. كله يدل على أن القدر قد سبق في علم الله، يضل من يشاء فَيَخْذِلُهُ، ويهدي من يشاء فيوفقه.
ثم قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان قال الضحاك: منعناهم من النفقة في سبيل الله (كما) قال: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٩].
وقيل: ذلك يوم القيامة إذا دخلوا النار.
فجعل (بمعنى يجعل).
قال الطبري: التقدير: إن جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال فلا تنبسط لشيء (من) الخير.
وفي قراءة ابن/عباس وابن مسعود: ((إنَّا جَعَلْنَا) فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلالاً)
وقرأ بعضهم: " في أَيْدِيهِمْ ".
والكناية في (فهي) ترجع إلى الإيمان، (لأن) الكلام دل على الأيمان، لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون (العنق).
فالمعنى: فالأيدي إلى الأذقان. والذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. ثم قال: فَهُم مُّقْمَحُونَ.
قال مجاهد: رافعوا رؤوسهم [و] أيديهم على أفواههم.
وقال قتادة: مُّقْمَحُونَ مغللون عن كل خير.
(و) قال أبو عبيدة: (هو الذي) يحدث وهو رافع رأسه.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي