ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

لمسخناهم لحولنا صورهم.
مكانتهم مكانهم.
مضيا ذهابا.
وامتازوا اليوم أيها المجرمون( ٥٩ )*ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين( ٦٠ )وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم( ٦١ )ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون( ٦٢ )هذه جهنم التي كنتم توعدون ( ٦٣ )اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون( ٦٤ )اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون( ٦٥ )ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون( ٦٦ )ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون( ٦٧ )ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون( ٦٨ ) .
وبعد بيان حسن مآب المؤمنين، جاءت هذه الآيات تخوف من مصير وعقاب الكافرين، ولن يكونا سواء، بل يفرد المجرمون، بمعزل عن الذين كانوا لربهم يرهبون، ثم يحسرون على ما فرطوا في جنب الله، وما خالفوا عن أمره، ونقضوا من عهده، فيقال لهم من جهة الحق جل علاه : ألم أوصيكم أن لا تعبدوا الشيطان ولا تطيعوه، وأن أدّوا العبادات التي شرعتها لكم تقربكم مني، وتدخلكم في رحمتي، وتبلغ بكم رضاي، هذا هو الطريق القويم، والدين الذي ارتضيت لكم، ولقد علمتم أن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء .. والله يعدكم مغفرة منه وفضلا.. ١ وأن إبليس اللعين إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، ووعدتكم وعد الحق، ووعدكم الشيطان غرورا، فاستجبتم له، فاستحوذ عليكم كما استحوذ على من أطاعوه قبلكم فحقت عليهم كلمة العذاب، فهلا أعملتم عقولكم، واعتبرتم بما أشقى به من كان قبلكم فاتخذتموه عدوا ! ولقد أعذر الله تعالى وأنذر وحذر : قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ٢ وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ٣.
اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون يؤمر بهم إلى السعير، ويقال لهم زيادة في التحسير : قاسوا حرها، وصيروا وقودها، وافترشوا لهيبها، وعيشوا تحته : لهم من فوقهم ظلل من نار ومن تحتهم ظلل.. ٤ذلك جزيناكم بسبب كفركم بالحق، وصدكم عن الرشد.
مما جاء في روح المعاني : وأن اعبدوني عطف على أن لا تعبدوا الشيطان على أن أَنْ فيهما مفسرة للعهد الذي فيه معنى القول دون حروفه، أو مصدرية حذف عنها الجار، أي : ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان، وفي عبادتي ! وتقديم النهي على الأمر لما أن حق التخلية التقدم على التحلية، قيل : وليتصل به قوله تعالى : هذا صراط مستقيم بناء على أن الإشارة إلى عبادته تعالى، لأنه المعروف في الصراط المستقيم... والتنكير للمبالغة والتعظيم، أي : هذا صراط بليغ في استقامته، جامع لكل ما يجب أن يكون عليه، وأصل لمرتبة يقصر عنها التوصيف والتعريف... وفيه أن المطلوب الاستقامة، والأمر دائر معها، وقليلها كثير. ولقد أضل منكم جبلا كثيرا استئناف مسوق لتشديد التوبيخ، وتأكيد التقريع، ببيان عدم اتعاظهم بغيرهم، إثر بيان نقضهم العهد... وإسناد الإضلال إلى ضمير الشيطان لأنه المباشر للإغواء، والجبل-قال الراغب : الجماعة العظيمة، أطلق عليها تشبيها بالجبل في العظم.... أفلم تكونوا تعقلون عطف على مقدر يقتضيه المقام، أي : أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم... فلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا حتى ترتدعوا عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم العذاب الأليم ؟ !اهـ.
اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ليوم الفصل أهوال نسأل الله أن ينجينا من الكرب، وله أحوال تختلف من موطن إلى موطن، فحين يأذن الفتاح العليم لكل محاسب أن يجادل عن نفسه يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.. ٥، فإذا كذبوا أخرس الله تعالى ألسنتهم، يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ٦ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ٧، فهذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ٨. وكذا ما أشار إليه قول الحق تبارك وتعالى :.. ولا يكتمون الله حديثا ٩. وقوله تبارك اسمه : وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيل ١٠وما جاء في الآية الكريمة :... اخسئوا فيها ولا تكلمون ١١ فموطن يتكلمون فيه، وموطن لا يقدرون فيه على الكلام، في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال( هل تدرون مما أضحك ؟ )قلنا : الله ورسوله أعلم : قال :( من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل ) خرّجه أيضا من حديث أبي هريرة، وفيه :( ثم يقال له الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه )، جاء في آية كريمة : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ١٢ وفي آيات أخر : حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ١٣.
ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو أردنا أن نمحو أبصارهم، ونزيل أثر أعينهم لفعلنا، وإذا لو حاولوا سلوك طريق غيهم الذي كانوا فيه لما أبصروه، وكيف لأعمى أن ينظر ويرى ؟ !مما جاء في الجامع لأحكام القرآن : وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة، وقال : إذا كان يوم القيامة، ومُدّ الصراط نادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فيقومون برّهم وفاجرهم، فاستبقوا الصراط. فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه.... اهـ.
ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ولو أردنا أن نبدل خلقتهم ونقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة لفعلنا، قال الحسن : أي : لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر.. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المعنى : لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. اهـ.
ومن نعمره ننكسه في الخلق من شاء الله تعالى له أن يمتد به العمر فإنه ينقص بعد زيادة، ويهن بعد جلادة، قال قتادة : يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا، وتبارك ربنا القائل :.. ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة.. ١٤، وقال مولانا جل ثناؤه :.. ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. ١٥مما يقول صاحب الجامع لأحكام القرآن : وهذا هو الغالب، وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر.. اهـ.
مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن، وعن بعضهم :

طوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدتي نشر وطيّ
أراني كل يوم في انتقاص *** وهل يبقى على النقصان شيّ

وقال آخر :
أرى الأيام تتركني وتمضي وأوشك أنها تبقى وأمضي
علامة ذاك شيب قد علاني*** وضعف عند إبرامي ونقضي
وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مرّ يوم مرّ بعضي
أفلا يعقلون -أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم-١٦ومما جاء في تفسير القرآن العظيم : والمراد من هذا-والله أعلم-الإخبار عن هذه الدار، بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال عز وجل : أفلا يعقلون أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة ثم إلى سن الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى، لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.. اهـ.
وذهب صاحب روح المعاني مذهبا في تفسير هذه الكلمات الكريمة فقال : أيرون ذلك فلا يعقلون أن من قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ وأن عدم إيقاعهما لعدم تعلق مشيئته تعالى بهما. اهـ.

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير